وقد جاء ذلك كلّه في سياق الحديث عن الحكم والتحاكم، فذكر رغبة المنافقين أصحاب القلوب المريضة في التحاكم إلى الطاغوت - كالكهّان والرؤساء وأشباههم - وإعراضهم عن التحاكم إلى شرع الله، إلى درجة الصدود الشديد، وهم الذين يزعمون الإيمان بما جاء به محمّد - صلى الله عليه وسلم - وحين تحلّ بهم مصيبة تلجئهم إلى صاحب الشرع، فإنّهم يحلفون زورًا وبهتانًا أنّهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق، وهم ما أرادوا إلا الفرار من الشرع والتلفيق! وهذا هو ديدن المنافقين في كلّ زمان ومكان، فلا شيء أثقل عليهم من أحكام الله التي تحول بينهم وبين ما يشتهون، ولهذا قال الله تعالى معقّبًا على ذلك: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي من الكفر والزيغ والنفاق [1] . ثمّ بيّن الله تعالى لنبيّه طريقة التعامل مع هذا الصنف، فقال سبحانه: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} ..
فأمّا الإعراض عنهم؛ فقيل هو ترك معاقبتهم في الدنيا [2] ، اكتفاء بظاهرهم، ولأنّ العقوبات إنّما هي كفّارات لأصحابها، وهؤلاء جرمهم لا كفّارة له، إذ هم كفّار في الباطن كما قال الله تعالى عنهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: 3] . ويشكل على هذا القول أمور:
(1) ينظر: جامع البيان للطبري: 4/ 159، والوجيز للواحدي: 1/ 272.
(2) ينظر: جامع البيان: 4/ 159، ومعالم التنزيل للبغوي: 2/ 244.