إِيمَانِكُمْ؟.
أجاب عن ذلك الخازن - رحمه الله - فقال: «قلت: معناه أظهرتم الكفر بعد ما كنتم قد أظهرتم الإيمان، وذلك أنّ المنافقين كانوا يكتمون الكفر ويظهرون الإيمان؛ فلمّا حصل ذلك الاستهزاء منهم - وهو كفر- قيل لهم: قد كفرتم بعد إيمانكم. وقيل: معناه قد كفرتم عند المؤمنين بعد أن كنتم عندهم مؤمنين» [1] .
ومن ذلك: عدم قبول اعتذارهم في التخلّف عن الجهاد، مع توبيخهم بقول بليغ كما سبق يصل إلى أعماق نفوسهم، قال تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} أي من الغزو. فقال الله لنبيّه - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94] . ولعلّ الحكمة من ذلك: أن يعلم هؤلاء المنافقون أنّ ألاعيبهم لا تنطلي على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وأنّ خططهم مكشوفة، وأستارهم مهتوكة، فلا يتمادون في غيّهم. والله تعالى أعلم.
وإنّما جمع ضمير المتكلم في الموضعين {لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} ... {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} "للمبالغة في حسم أطماعهم من التصديق رأسًا ببيان عدم رواج اعتذارهم عند أحد من المؤمنين أصلًا، فإن تصديق البعض لهم ربّما يطمعهم في تصديق الرسول أيضا - صلى الله عليه وسلم - بواسطة المصدّقين."
(1) لباب التأويل في معاني التنزيل: 3/ 118.