انتهت محاورة الرجل الكافر صاحب الجنتين بمقالاتها الأربعة مع صاحبه المؤمن، والتي لخَّص فيها نظرته للحياة الدنيا، وما توقعه من جزاء في الآخرة إن كان ثم جزاء، وأما صاحبه المؤمن الفقير الذي لا جنة له ولا ثمر، ولا مال ولا نفر، فهو معتز بإيمانه بربه، الذي ذلَّت له الرقاب، وعنت له الوجوه، وخشعت لعظمته القلوب، فهو يتصدى لصاحبه، يحاوره منكرا عليه مقالاته، ومصححا له قيَمَه ومعتقداته، ومحذَّرًا من زوال نعمته وجناته.
وعند التأمل في مضمون حوار المؤمن مع صاحبه الكافر، والأساليب التي استخدمها في ذلك الحوار يمكن حصرها في أربعة هي:
فقد ابتدأ المؤمن حواره مع صاحبه، منكرا عليه كفره بربه، وجحوده يوم المعاد، قائلا:"أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا" [1] ، والملاحظ في هذا الحوار أنه ابتدأ بأخطر موضوعات العقيدة المتعلقة بالإيمان بالله واليوم الآخر، والتي يهدف المؤمن من حواره فيها أن يدلل للكافر على قدرة الله تعالى على البعث الذي أنكره، رغم أدلته الواضحة وبراهينه القاطعة فالذي أوجد الإنسان من العدم، وخلقه أطوارا من تراب إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة ... ثم سواه إنسانا سويا، قادر على بعثه ونشره يوم المعاد، وفي هذا المعنى يقول السعدي في تفسير هذه الآية:"أكفرت بالذي خلقك من تراب""أي: قال له صاحبه المؤمن ناصحا له ومذكرا له حاله الأولى، التي أوجده الله فيها في الدنيا،"من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا"فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طور إلى طور، حتى سواك رجلا كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة والمعقولة، وبذلك يسَّر لك الأسباب، وهيأ لك ما هيأ من نعم الدنيا، فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل بفضل الله تعالى عليك، فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا، وتجهل نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك، وإن بعثك أنه يعطيك خيرًا من جنتك، هذا مما لا ينبغي ولا يليق" [2] .
(1) - الكهف: 37.
(2) - تفسير السعدي: 1/ 477.