الصفحة 4 من 35

المبحث الأول: بين يدي قصة الرجلين:

سورة الكهف مكية بإجماع أقوال المفسرين كما قال ابن عطية في تفسيره:"وهذه السورة مكية في قول جميع المفسرين، وروي عن فرقة، أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله: جرزا، والأول أصح" [1] .

وأما محورها الموضوعي الذي تدور موضوعاتها حوله، فهو العقيدة الصحيحة، القائمة على الفكر والنظر الصحيح، والمؤيد بالحجة والبرهان، والداعي لتصحيح نظرة الإنسان إلى القيم الحقيقية، على ضوء تلك العقيدة الصحيحة. فقد ابتدأت السورة الكريمة بإبراز العقيدة السليمة، من خلال إعلانها عن وحدانية الله تعالى، ونبذ كل مظاهر الشرك، وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى:"الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا، وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا" [2] . وفي ختام السورة تكرر هذا المعنى في قوله تعالى:"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" [3] .

ونظرا لأهمية هذه القضية، فإنها تكررت مرات في هذه السورة الكريمة، ففي قصة أصحاب الكهف، يأتي الإعلان عن وحدانية الله تعالى، والتبرؤ من الشرك، على ألسنة أولئك الفتية المؤمنين عندما قالوا:"ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهة لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بَيِّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا" [4] ، وفي نهاية قصتهم يأتي التعقيب عليها بقوله تعالى:"مالهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا" [5]

(1) - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 3/ 494.

(2) - الكهف: 1 - 5.

(3) - الكهف: 110.

(4) - الكهف: 14 - 15.

(5) - الكهف: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت