وأما الأسلوب الأخير الذي ختم به المؤمن حواره مع صاحبه الكافر فكان تحذيره _ إن أصر على شركه - من زوال نعمته وتبدل حاله، ولا شك أن التحذير من عاقبة الأمور السيئة يشكل وسيلة هامة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، لأنه يؤدي إلى إيقاظ القلوب، التي سيطرت عليها الغفلة، التي تنشأ - غالبا - نتيجة لألف الناس العيش الرغيد، حتى يستقر في قلوبهم استحالة تغيير هذا الحال إلى نقيضه، ويشكل التحذير في نفس الوقت دليلًا على سلامة قلوب القائمين به ونقاء سريرتهم، حيث دفعتهم رحمتهم بالناس والحرص على سلامتهم، إلى ذلك التحذير. وهذا المعنى نلحظه في موقف المؤمن من صاحبه الكافر، عندما قال له:"فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا" [1] .
وهذا القول فيه جمع بين الترجي والتحذير، فالمؤمن يرجو ربه أن يؤتيه خيرا من جنة الكافر سواء كان ذلك العطاء في الدنيا أو الآخرة، ويحذِّر في نفس الوقت صاحبه الكافر من حسبان قد يصيب جنته إن أصر على كفره. قال ابن عطية في تفسير الآية:"هذا الترجي ب"عسى"يحتمل أن يريد به في الدنيا، ويحتمل أن يريد به في الآخرة، وتمني ذلك في الآخرة أشرف مقطعا، وأذهب مع الخير والصلاح، وأن يكون ذلك يراد به الدنيا أذهب في نكاية المخاطب، وأشد إيلاما لنفسه. والحسبان: العذاب كالبرد والصِر ونحوه. واحد الحسبان حسبانة، وهي المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وهي أيضا سهام ترمى دفعة بآلة لذلك. والصعيد: وجه الأرض. والزلق: الذي لا تثبت فيه قدم يعني: أنه تذهب أشجاره ونباته، ويبقى أرضا قد ذهبت منافعها، حتى منفعة المشي فيها، فهي وحل لا تنبت ولا تثبت فيه قدم" [2] .
وهذا المنهج - التحذير - حرص عليه الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم، عندما حذروا أقوامهم من عاقبة كفرهم، فهذا نوح غليه السلام يقول لقومه محذرا:"يا قوم إني لكم نذير مبين، أن اعبدوا واتقوه وأطيعون، يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون" [3] .
(1) - الكهف: 40.
(2) -المحرر الوجيز لابن عطية: 3/ 518.
(3) - نوح: 1 - 3.