فيه ربي خير" [1] ، وعندما يتم بناء السدَّ، يسند الأمر ويرجع الفضل في ذلك إلى الله تعالى، فيقول:"هذا رحمة من ربي" [2] ."
وفي ختام السورة تأتي المقارنة بين مصير أتباع القيم الزائفة والقيم الحقيقية يوم القيامة، فأخسر الناس في ذلك اليوم العصيب، هم الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، فهؤلاء لا وزن لهم عند الله تعالى ولا قيمة، وإن ظنوا أنهم يحسنون صنعا، وأما الذين آمنوا وعملوا لصالحات فأولئك كانت لهم جنات الفردوس نزلا، جزاء لهم على ما قدموه لأنفسهم من خير، بمحافظتهم على القيم الأصيلة التي حثَّ عليها القرآن الكريم.
تبين لنا مما سبق أن سورة الكهف من أعظم سور القرآن الكريم التي اهتمت بموضوع القِيَم في حياة البشر، فدعت إلى التزام الحقيقية الأصيلة، القائمة على الاعتزاز بالإيمان بالله ـ تعالى ـ والعمل الصالح، الذي يرفع درجات صاحبه عند الله ـ تعالى ـ وهذا يستدعي مجاهدة كبيرة لنفسه، تدفعه للترفع عن كثير من مظاهر زينة الحياة الدنيا، ومقاومة بريقها المخادع، الذي يزيّن له الانصراف عن القيم الأصيلة، وهذا المعنى وضحته سورة الكهف غاية الوضوح، عندما بيّنت أنَّ كل ما على الأرض زينة لها، ليتم ابتلاء الإنسان وامتحانه بين تلك المظاهر من الزينة البراقة، التي تبهر الأبصار، وبين القيم الحقيقية النابعة من الإيمان بالله، قال تعالى:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا" [3] ، ولكن تلك الزينة مصيرها إلى الزوال، وتبقى القيم الحقيقية ثابتة ترفع أصحابها المتمسكين بها، مما يجعلهم يتحملون في سبيل الثبات عليها، كل مكروه للنفس من ألم وحرمان وشظف العيش وقسوة الحياة الدنيا، كما فعل أصحاب الكهف، الذين آثروا التضحية والعيش في كهف مهجور بعيدًا عن مظاهر الزينة الزائفة في الحياة الدنيا، وهذا المعنى نلحظه في سبب نزول قوله تعالى:"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا .. الآية [4] ."
(1) - الكهف: 95.
(2) - الكهف: 98.
(3) الكهف: 7.
(4) -الكهف: 28.