الحمد لله الذي خلق الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، والصلاة والسلام على رسول الله، خير من دعا إلى دين الله، ليوحِّد الناس ويتآلفوا، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن بعدهم ممن استناروا بهديه وأصلحوا، وبعد:
فإن البحث عن سبب الحاجة إلى الحوار مع الآخر، يدفع المتأمل لمراجعة التاريخ البشري منذ أقدم العصور، ليتوصل سريعا إلى حقيقة ظاهرة، مفادها أن حياة الناس منذ القديم، شابها اختلاف كبير، تسبب في صراع مرير. ومنشأ ذلك اختلاف العقول حول مفاهيم الحقائق الكبرى، التي تقوم عليها حياة البشر، مثل مفهوم الحق والواجب، والخير والشر، والإيمان والكفر، والحياة والموت، والألوهية والإلحاد، ... وغيرها مما يؤثر مباشرة على تصوراتهم، وينعكس على سلوكهم وتصرفاتهم، فتفاوت العقول في إدراك هذه المفاهيم، أدى إلى اختلاف الناس وصراعهم وسفك دمائهم، ولعل هذه النتيجة هي التي تنبأت بها الملائكة الكرام منذ اللحظة الأولى، التي أخبرهم الله تعالى بأنه سيخلق في الأرض كائنًا متميزا هو الإنسان.
فقد قضت حكمة الله تعالى منذ الأزل، أن يعمر هذه الأرض، ويخلق فيها الإنسان، فلما أخبر ملائكته بذلك، استشفوا من خلال علمهم بأسرار خلقه، وما استودع فيه من ميزات وملكات، أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، فقالوا كما حكى القرآن الكريم ذلك عنهم:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدِّس لك ... [1] "فقد أدركوا من خلال علومهم النورانية، حول طبائع هذا المخلوق وتكوينه الجسدي والعقلي والنطقي، أنه قابل لفعل الخير والشر على السواء، وهذا يمكنه من الخروج من الطبع إلى الاكتساب، ومن الطاعة إلى المعصية، ويدفعه للتفكير بالنفع والضر، والصلاح والفساد، وهذا الاختلاف القائم في النفس البشرية من حيث المستودعات التكوينية -خاصة الفكرية منها- تؤدي إلى اختلاف الناس حول أمور كثيرة وخطيرة، مثل المفاهيم التي سبقت الإشارة إليها، مما يستدعي تنظيم حوارات حولها بين الناس يتولى كل طرف عرض ما لديه من فكر على الطرف الآخر، بأسلوب حكيم، وكلمة طيبة، وحجة ظاهرة بعيدا عن التعصب والشجار، والعنف وسفك الدم، الذي يشكّل أكبر مظهر للإفساد في الأرض.
(1) - البقرة: 30