ختمت هذه القصة المثيرة بأحداثها, المتحركة بأشخاصها, السريعة بعرض مشاهدها، التي ابتدأت بمشهد ساحر لجنتين حافلتين بكل صور البهجة وصنوف النعم, ورجل يتحرك فيهما بغرور، يتعالى على من كان حظه في الدنيا أقل منه، يشمخ بنفسه ويقول:"أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا"وتبدأ المحاورة ليتبادل فيها الطرفان نظرتهما حول القيم، ويؤدي المؤمن دوره في نصح هذا الرجل المغرور، ويحذره عاقبة كفره وغروره، فيصرُّ على موقفه، فيأتيه العذاب لينهي صورة المتاع في لمح البصر, وهنا يأتي المشهد الأخير، الذي يبرز فيه هذا الرجل المغرور منكسر القلب، محطَّم الأمل، يتلوى من الحسرة, ويقلِّب كفيه ندما، على ما فاته من نعم، يقلب كفيه كامرأة تنوح على ميتها تلطم خدها, فما أقلَّه من متاع إن كان زواله بهذه السرعة الخاطفة, وما أسرعه من تقلب يحوِّ>ل الرجل الذي امتلأت نفسه غرورا, واشرأبت عنقه تعاليا, يحوله إلى رجل منكسر محطم ذليل، يضرب بإحدى يديه على الأخرى، وكأنه يبحث عن شيء مفقود.
هذه هي حقيقة متاع الدنيا, وهذه هي دورته.
وهنا يأتي التعقيب على هذه القصة المعبرة، فيضرب الله تعالى مثلا للحياة الدنيا وزينتها وكامل متاعها، فيشبهها بالدورة النباتية، التي تبدأ باختلاط المطر بالنبات، لتنفتح الحياة، ولكن سرعان ما يتحول إلى هشيم يابس تذروه الرياح , وما بين الاختلاط والهشيم تنتشر مساحة الحياة, يقول تعالى:"واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا" [1] .
يقول صاحب الظلال في تصوير رائع لهذا المعنى الوارد في هذه الآية الكريمة:"هذا المشهد يعرض قصيرا خاطفا ليلقي في النفس ظل الفناء والزوال. فالماء ينزل من السماء، فلا يجري ولا يسيل، ولكن يختلط به نبات الأرض, والنبات لا ينمو ولا ينضج, ولكنه يصبح هشيما تذروه الرياح، وما بين ثلاث جمل قصار ينتهي شريط الحياة. ولقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشاهد بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء:"ماء أنزلناه من السماء"ف"اختلط به نبات الأرض"ف"أصبح هشيما تذروه الرياح"فما أقصرها حياة! وما أهونها حياة!" [2] .
(1) - الكهف: 45.
(2) - في ظلال القرآن: 4/ 2271 - 2272.