تنقصه عن مقدار ما تعطيه الأشجار في حال الخصب، ففي الكلام إيجاز بحذف مضاف والتقدير: ولم تظلم من مقدار أمثاله، واستعير الظلم للنقص على طريقة التمثيلية بتشبيه هيئة صاحب الجنتين في إتقان خبرهما، وترقب إثمارهما بهيئة من صار له حق في وفرة غلتهما، بحيث إذا لم تأت الجنتان بما هو مترقب منهما، أشبهتا من حَرَم ذا حق حقه فظلمه، فاستعير الظلم لإقلال الإغلال، واستعير نفيه للوفاء بحق الإثمار" [1] ."
وأمام هذه الصورة الحافلة بأصناف المتاع الوافر، يقف هذا الرجل مزهوا بنفسه، فيختال أمام صاحبه المؤمن الفقير، الذي حرص على محاورته بالوعظ، وتقبيح الركون إلى الدنيا، وتذكيره بالله تعالى، ولكنه ردّ على حوار صاحبه له بقوله:"أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا"وهذه العبارة كانت المقولة الأولى في محاورته لصاحبه، وهذا يدل على وجود صفة الغرور التي أصابت هذا الرجل، فدفعته للتعالي والترفع على فقراء الناس، وهذه أبرز الآثار التي تظهر على النفس المفتونة بكثرة المال. ويظهر الغرور في أقبح صوره في ردّ هذا المغرور على صاحبه، الذي حاوره ووعظه في الإيمان والعمل الصالح، فراجعه الكلام بالفخر والتطاول عليه، شأن أهل الغطرسة والنقائص الذين يقابلون النصيحة الخالصة بازدراء الآخرين وانتقاصهم، وإظهار أنفسهم بمظهر العظمة والكبرياء."يقول الرازي:"وحاصل الكلام: أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله، فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة، فقال:"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ"وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال" [2] ."
وأما المقولة الثانية في حوار الكافر مع صاحبه المؤمن، فهو ما قاله عندما دخل جنته، وهو ظالم لنفسه، قال تعالى:"ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا"وقد بين صاحب الكشاف سبب ظلمه لنفسه فقال:"وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ"وهو معجب بما أوتي، مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته، لطول أمله، واستيلاء الحرص عليه، وتمادي غفلته، واغتراره بالمهلة، وإطراحه النظر في
(1) - المحرر الوجيز: 6/ 318.
(2) - التفسير الكبير للرازي: 21/ 107.