ينظرون إلى ذلك المتاع أنه وسيلة مُسَخَّرة لغايتهم الكبرى، وهي تحقيق العبودية الحقيقية لله تعالى، ومن هنا فإنهم لا يفتنون بها، ويرون فيها فضلا من الله عليهم، يستدعي حمدًا وشكرا.
وقبل أن نرصد الآثار السلبية للفتنة بالمال على النفس البشرية من خلال قصة الرجل صاحب الجنتين، لابد من تقديم وصف مختصر لحالة الغنى التي عاشها هذا الرجل، كما ذكرها القرآن الكريم، ووضحتها أقوال المفسرين الواردة في هذه القصة.
فقد أنعم الله عليه بجنتين لا بجنة واحدة، حوتا داخلهما كل مظاهر الخير والنماء، يقول ابن عطية في وصف ذلك:"تأمل هذه الهيئة التي ذكر الله، فإن المرء لا يكاد يتخيل أجمل منها في مكاسب الناس، جنتا عنب أحاط بهما نخل، بينهما فسحة هي مزدرع لجميع الحبوب، والماء الغيل يسقى جميع ذلك من النهر، الذي قد جمّل هذا المنظر، وعظم النفع، وقرب الكد، وأغنى عن النواضح وغيرها" [1] .
ويقول الزمخشري في تصوير ذلك المتاع من خلال وصفه للجنتين:"وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جعلنا لأحدهما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ"، بستانين من كروم"وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ"، وجعلنا النخل محيطًا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة،"وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا"، جعلناها أرضًا جامعة للأقوات والفواكه، ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بماء وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب، فجعله أفضل ما يسقى به وهو السيح بالنهر الجاري فيها، والأكل الثمر"وَلَمْ تَظْلِمِ منه شيئا"ولم تنقص"وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ"أي أنواع من المال من ثَمر ماله إذا كثر، وعن مجاهد: الذهب والفضة، أي كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكنًا من عمارة الأرض كيف شاء،"وَأَعَزُّ نَفَرًا"يعني أنصارًا وحشمًا وقيل أولادًا ذكورًا، لأنهم ينفرون معه دون الإناث" [2] ."
وهناك تعبيرات لافتة في تصوير معنى النماء في تلك الجنتين ذكرها ابن عطية في تفسيره لآيات القصة فقال:"قوله تعالى:"كلتا الجنتين آتت أكلها"والمعنى: أثمرت الجنتان إثمارا كثيرا حتى أشبهت المعطي من عنده، ومعنى"ولم تظلم منه شيئا"لم تنقص منه، أي من أكلها شيئا أي: لم"
(1) - المحرر الوجيز: 3/ 516.
(2) - الكشاف للزمخشري: 2/ 673 - 674.بتصرف يسير.