الصفحة 23 من 35

المبحث الرابع: عاقبة الكفر والبطر بالنعمة وأثر ذلك على الرجل المشرك:

انتهت المحاورة بين الرجلين المؤمن والكافر، التي بَيَّن كلّ منهما_ من خلالها_ موقفه من الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وحدَّد نظرته إلى القيم عاجلة كانت أو آجلة، ويبدو من سياق الآيات الكريمة التي صورت لنا أحداث هذه القصة الهادفة، أن ذلك التحذير الذي أطلقه المؤمن خلال محاورته لصاحبه الكافر كان مبررًا، لشعوره بقرب نزول العذاب بصاحبه، عقوبة له على كفره وبطره بنعمة ربه، وهذا ما حدث فعلا، فقد جاءه العذاب"وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا لبتني لم أشرك بربي أحدا، ولم يكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا، هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا" [1] .

انتهت المحاورة، وتحقق المحذور، وحلَّ العذاب الذي لخصته الآية بهذه الجملة الواحدة"وأحيط بثمره"التي يأتي وقعها على النفس صاعقا مزلزلا، تدع الخيال الإنساني يتصورأي نوع من العذاب نزل من السماء، أو رجفت به الأرض، وكل ذلك محتمل، والآيات الكريمة لم تحدَّد نوع العذاب الذي أصاب ذلك الثمر، فهذا التحديد ليس ضروريا، والأهم من ذلك أن تُبرز الآية مفهوم العذاب المدمّر الذي أتلف كل شيء، وأتى على كامل ذلك المتاع.

إنها لصورة رهيبة، تُظهرها كلمة واحدة، كانت كافية للإجهاز على ذلك المتاع، الذي أفقد الرجل صوابه، فجعله يختال كالطاووس، وينتفش كالديك، وينتفخ كالقربة، ويتعالى ويتكبر على صاحبه المؤمن الفقير، كما تكبر إبليس على آدم من قبل وقال:"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" [2] ، وهذا الكافر قالها لصاحبه المؤمن:"أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا".

إنها كلمة واحدة وضعت نهاية لذلك النعيم الذي رفل به ذلك الرجل، وهي كلمة"أحيط"التي تدلَّ على شدة الأخذ والإحداق والتطويق المفضي إلى الهلاك الشامل الذي أتى على كل شيء ليضع نهاية مريرة لعاقبة الغرور بالقيم الزائلة من متاع الدنيا الذي يجعل أصحابه يفقدون صوابهم، ويغلقون عقولهم، ويغمضون أعينهم، ويصمون آذانهم، احتجابا من رؤية الحق والاعتراف به فينكرون وجود الله، أو يشركون معه آلهة أخرى، عوضا أن يخصوه بالعبادة، ويتوجهوا إليه بالشكر على ما أولاهم من نعيم ومتاع.

(1) - الكهف: 42 - 44.

(2) - ص: 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت