وهناك وقفة لافتة أخرى في هذه الجملة العجيبة، حيث خصَّت الثمر بإحاطة العذاب به، علما بأنه أتى على الشجر والثمر والدواب والعمران، فلمَ خُصَّ الثمر بالذكر دون سائر ذلك المتاع؟
وللإجابة على هذا السؤال تلمست أقوال المفسرين في معظمهم، فلم أعثر على إجابة واضحة وصريحة ووافية وشافية، لأن أقوالهم وردت في مفهوم الثمر، والتي توزعت بين الذهب والفضة أو الأشجار، أو ثمر الشجر، أوالجتين نفسيهما، ولم أجد واحدًا منهم بَيَّن الحكمة من تخصيص إحاطة العذاب بالثمر بالذكر دون سواه مما شمله العذاب.
وفي محاولة متواضعة مني لبيان هذه الحكمة، عدت إلى نفسي مستعرضا أحداث القصة مرة أخرى، ومركزا على عناصر الربط بينها، فالرجل الكافر المغرور بجنتيه المليئتين بكل معاني النماء والبهجة والجمال والحيوية الدافقة، دفعه غروره إلى الكفر بالله، وإنكار الساعة، واستبعاد وجود قوة ما تستطيع إبادة جنته، حيث قال:"ما أظن أن تبيد هذه أبدا"، ولا شكَّ أن أكثر مرحلة يتعلق بها قلب المزارع بشجره عند إثماره، فالمنظر رائع، والجمال أخَّاذ، والبهجة دافقة، والأمل كبير، بما سيجنيه صاحب الشجر من ثمر، فعندما يفاجئ العذاب الشجر وهو على تلك الحالة، فإنه يكون أشدُّ إيلاما لصاحبه، وأكثر حرقة في قلبه، فيكون العذاب مضاعفا، ومثل هذا الرجل الكفور المغرور يستحق هذا النوع من العذاب، وهذا المعنى يأتي متناغما مع الآيات التالية التي صَوّرت لنا حسرته وحرقته عند نزول العذاب بثمره، حيث قال تعالى:"فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها"إنه يتحسر ويتحرق ألما على أمرين: أولهما: على ما أنفق من مال وجهد على ذلك الثمر، الذي انتظره بفارغ صبره شوقا إلى رؤيته، ورغبة في تحصيله والانتفاع به. والأمر الثاني: أن هذا الثمر بعد ظهوره وتحققه وتعلق القلب به والأمل بنيله، جاءه العذاب فاستأصله استئصالا، فمنظر خواء الشجر من ثمره بعد تعلق البصر به جد أليم، ووقع ذلك على النفس شديد، ولعل هذه الإشارة تبين لنا الحكمة من تخصيص إحاطة العذاب بالثمر دون سواه، مع العلم أنه أتى شاملا على ممتلكات هذا الرجل الأحمق المغرور.
يقول ابن كثير في قوله تعالى:"وأحيط بثمره"بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته، التي اغتر بها، وألهته عن الله عز وجل"فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيه"وقال قتادة يصفق كفيه متأسفا