ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون" [1] ،"
فالذي ينفرد بالخلق لا بد أن يُفرد بالعبادة، وهذه المعادلة تشكِّل أكبر البديهيات العقلية في هذا الوجود، ومع ذلك تعتبر أكبر معضلة واجهت البشرية، وتواجهها إلى قيام الساعة.
فمعظم الناس رغم اعترافهم لله تعالى بصفة الخلق، لكنهم يشركون به ويعبدون معه غيره, لذلك نبه الله عباده إلى هذه الحقيقة عندما قال:"أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون" [2] ، فالاعتراف بربوبية الله تعالى يستدعي إفراده بالعبودية, وقد عاتب الله تعالى الذين لا يقرنون بين هاتين المقدمتين فقال: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم, الذي خلقك فسواك فعدلك" [3] ."
وأما الحقيقة الثانية التي تترتب على الاعتراف بخلق الله تعالى للإنسان فهي الاعتراف بقدرته تعالى على بعثه في اليوم الآخر، وقد أفاض القرآن الكريم في الربط بين هاتين المسألتين في عشرات الآيات الكريمة:"كما بدأكم تعودون" [4] ، وقال:"كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين" [5] ، وقال:"أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه, قال من يحيي العظام وهي رميم, قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" [6] .
وهذا الاقتران بين الاعتراف بخلق الله للإنسان والبعث واضح في حوار المؤمن مع صاحبه الكافر، فقوله له:"أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلا [7] ، جاء ردا على قول الكافر:"وما أظن الساعة قائمة"."
وأما الأسلوب الثاني الذي ورد في هذه المحاورة بعد إنكار المؤمن على صاحبه إشراكه بالله، فقد جاء على لسان الرجل المؤمن، عندما صرَّح بالحق الذي يعتقده ويؤمن به، فقال لصاحبه
(1) - الأعراف: 172 - 173.
(2) - النحل: 17.
(3) - الانفطار: 6 - 7.
(4) - الأعراف: 29.
(5) - الأنبياء: 104.
(6) - يس: 77 - 79.
(7) - الكهف: 37.