وأسلوب الإنكار على الكفار من أفضل أساليب الحوار، في مسائل العقائد إن خلا من العنف والشدّ بين الأطراف، واحتوى على الأدلة العقلية كما رأينا في حوار المؤمن مع صاحبه الكافر، الذي حشد مزيدا من الأدلة المقنعة ليسهل على صاحبة رؤية الحق والاهتداء إلى الرشد، وهذا الأسلوب ... استخدمه كل الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم لنبذ الشرك وإفراد الله بالعبودية، فهذا شيخ الأنبياء إبراهيم عليه السلام يقول لأبيه منكرا عليه شركه قائلا:"يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا" [1] ، وينكر على قومه شركهم قائلا:"أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهديني" [2] ، وهكذا فعل بقية الأنبياء.
وعندما نتأمل في صيغة الإنكار الواردة في حوار المؤمن مع صاحبه الكافر، نجد أن هذا المؤمن أقام الحجة على صاحبه، ليتخلى عن شركه بالله وكفره باليوم الآخر، من خلال إشارته إلى حقيقة تشكل واحدة من بدهيات الفكر الإنساني، ولا يماري بها أحد حتى الكفار أنفسهم، وهي إفراد الله تعالى بمسألة الخلق، فالله تعالى خالق لكل شيء, وهذه الصفة من أبرز مظاهر الربوبية التي يترتب على الاعتراف بها أمران:
1 -إفراد الله تعالى بالعبادة ونبذ الشرك.
2 -الاعتراف باليوم الآخر.
أما مسألة اعتراف الناس بوحدانية الربوبية خاصة فيما بتعلق بصفة الخلق، فهي حقيقة مسلمة لا يماري بها أحد، إلا حفنة شاذة من الملا حدة الذين انحرفت فطرهم عن مسارها الطبيعي، فأنكروا وجود الله أصلا، ولكن الكفار أنفسهم يعترفون بخلق الله لهم، قال تعالى:"ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ..." [3] ، وقال:"ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ... [4] ، وهذا الاعتراف بوحدة الربوبية عند الناس، مرده إلى ذلك الميثاق القديم المركوز في فطرتهم، وهو ميثاق الفطرة الذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى:"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم
(1) - مريم: 42.
(2) الشعراء: 75 - 78.
(3) - لقمان.
(4) - الزخرف: 87.