الصفحة 10 من 35

للعقل، وتصويره بصورة المحسوس، فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص، لأنها أثبت في الأذهان، لاستعانة الذهن فيها بالحواس، ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله. قال تعالى:"وضربنا لكم الأمثال"فامتن علينا بذلك لما تضمنته من الفوائد" [1] ."

وقال الزركشي في برهانه:"والأمثال تصور المعاني تَصَوُرَ الأشخاص، فإن الأشخاص والأعيان أثبت في الأذهان، لاستعانة الذهن فيها بالحواس، بخلاف المعاني المعقولة، فإنها مجردة عن الحس، ولذلك دقَّت، ولا ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل، إلا بأن يكون المثل المضروب مجربا مسلما عند السامع، وفى ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى، إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والشاهد بالغائب، فالمُرَغَّب في الإيمان مثلًا، إذا مُثّل له بالنور، تأكَّد في قلبه المقصود، والمُزَهَّد في الكفر، إذا مُثل له بالظلمة، تأكّد قبحه في نفسه، وفيه أيضا تبكيت الخصم، وقد أكثر تعالى في القرآن وفى سائر كتبه من الأمثال" [2] .

اختلف المفسرون في حقيقة هذا المثل الوارد في قصة الرجلين من حيث الوقوع وعدمه، فقال ابن عطية:"وظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع وكان موجودا، وعلى ذلك فسَّره أكثرُ أهلِِ هذا التأويل، ويحتمل أن يكون مضروبا بمن هذه صفته، وإن لم يقع ذلك في وجود قط، والأول أظهر. وروي في ذلك أنهما كانا أخوين من بني إسرائيل، ورثا أربعة آلاف دينار، فصنع أحدهما بماله ما ذكر، واشترى عبيدا وتزوج وأثرى، وأنفق الآخر ماله في طاعات الله عزّ وجلّ حتى افتقر، والتقيا ففخر الغني ووبخ المؤمن، فجرت بينهما هذه المحاورة" [3] .

وقال ابن عاشور مرجحا واقعية هذا المثل:"والأظهر من سياق الكلام وصنع التراكيب مثل قوله:"قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب"الخ، فقد جاء (قال) غير مقترن بفاء وذلك من شأن حكاية المحاورات الواقعة، ومثل قوله:"ولم تكن فئة ينصرونه من

(1) - الإتقان في علوم القرآن: 2/ 343 - 344.

(2) - البرهان في علوم القرآن للزركشي: 1/ 488.

(3) - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 3/ 515.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت