ويبدو أن هذا الكافر قد تدرج بكفره وطغيانه، نتيجة لبطره وقصر نظره، وقد أحسن البقاعي في تفسيره، عندما قدَّم تحليلا نفسيا عميقا ودقيقا لهذه الحالة، فقال في تفسير هذه الآية:"وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا"قال:"ولما كان الإنسان مجبولا على غلبة الرجاء عليه, فإذا حصل له من دواعي الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه, ويثبت أصوله ويقويه, اضمحل الخوف، فلم يزل يتضاءل حتى يتلاشى، فكان عدمًا، فقال تعالى حاكيا عن هذا الكافر ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما يأتي به القدر مقسما: (ولئن رددت) أي ردني راد (إلى ربي) المحسن إليّ في هذه الدار في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه أداة الشك (لأجدن خيرا منها) أي هذه الجنة, (منقلبا) أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه, لأنه ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي, وهو وصف لي غير منفك في الدارين, وإن لم يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به, فكأنه قيل: إن هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات, ولم يجوز أن يكون التمويل استدراجا" [1] .
وهذا يدل على وجود اختلال كبير في موازين القيم عند هذه الطائفة المفتونة بزينة الحياة الدنيا،
فآفة الغرور التي أصابتهم، تخيل لذوي المال والجاه والسلطان، أن القيم التي كانوا يتعاملون بها في الدنيا الفانية، ستنتقل معهم إلى الدار الآخرة، وتكون لهم حظوة في الملأ الأعلى كما كانت حظوتهم في الأرض.
(1) - نظم الدرر: 4/ 468.