فالعالمُ معذورٌ مأجورٌ، ومتَّبعه في ذلك بعدما يتبينُ له الحقُّ مذمومٌ مأزورٌ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما نقل كلامًا لابن المبارك في هذا المعنى: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا لَهُمْ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا السُّنَّةُ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَا يُحْصَى مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَغُضُّ مِنْ أَقْدَارِهِمْ وَلَا يُسَوِّغُ اتِّبَاعَهُمْ فِيهَا. (1) انتهى كلامه.
وراءَ تباينِ أنظار العلماء حكمٌ لا حصرَ لها (2)
مما لا شك فيه عند المسلمين أن الدين دينُ الله والشرعَ شرعُه، ولا رادَّ لحكمه ولا معقب لأمره، حكمُه عدلٌ وقوله فصل، ومن حاد عن دين الله وحكم بغير شرعه فقد دخل في قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [ المائدة:44] ، وشرعُ الله صالحٌ لكل زمان ومكان، وما ذلك إلا لأنه اشتمل على مقومات الاستمرار وعوامل الديمومة؛ ومنها صفة الثبات والمرونة، فهو ثابت في أصوله مرنٌ في فروعه، قال تعالى: {. مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..} (38) سورة الأنعام ، والناظر من المجتهدين يجد حقيقة جلية وهي أن أحكام الشرع تنتظمها دائرتان: دائرةُ القطعياتِ وهي محلُّ اتفاق وإجماع، ويندرجُ تحتها ما لاحصرَ له من المسائلَ الحادثةِ.
(1) - الفتاوى الكبرى - (ج 9 / ص 108) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 4 / ص 52)
(2) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 3589) رقم الفتوى 16387 وراء تباين أنظار العلماء حكم لا حصر لها تاريخ الفتوى: 01 ربيع الأول 1423