لكنْ لمَّا لم يكنْ لهُ علمٌ بما قالهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ،ولا بطريقِ الجمعِ بينَ المختلفاتِ من كلامِه ولا بطريقِ الاستنباطِ منْ كلامِه اتَّبعَ عالمًا راشدًا على أنهُ مصيبٌ فيما يقولُ ويُفتي ظاهرًا متبعَ سنَّةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإنْ خالفَ ما يظنُّه أقلعَ منْ ساعتِه منْ غيرِ جدالٍ ولا إصرارٍ، فهذا كيفَ ينكرهُ أحدٌ ؟؟!!
مع أنَّ الاستفتاءَ والإفتاءَ لم يزلْ بينَ المسلمينَ منْ عهدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
ولا فرقَ بينَ أنْ يستفتيَ هذا دائمًا أو أنْ يستفتيَ هذا حينًا، وذلك حينًا، بعدَ أنْ يكونَ مجمعًا على ما ذكرناهُ، كيف لا ولمْ نؤمنْ بفقيهٍ أيًّا كانَ أنهُ أوحَى اللهُ إليهِ الفقهِ، وفرضَ علينا طاعتَهُ وأنهُ معصومٌ، فإنِ اقتدينا بواحدٍ منهم فذلكَ لعلمِنا بأنهُ عالمٌ بكتابِ اللهِ وسنَّة ِرسولهِ (صلى الله عليه وسلم ) ، فلا يخلو قولُه إمَّا أنْ يكونَ منْ صريحِ الكتابِ والسنةِ أو مستنبطًا منهُما بنحوٍ منِ الاستنباطِ، أو عرفَ بالقرائنَ أنَّ الحكمَ في صورةٍ ما منوطٌ بعلَّةِ كذا ،واطمأنَّ قلبُه بتلكَ المعرفةِ فقاسَ غيرَ المنصوصِ على المنصوصِ، فكأنهُ يقولُ: ظننتُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ كلَّما وجدتَ هذهِ العلَّةَ فالحكمُ ثمَّةَ هكذا ، والمقيسُ مندرجٌ في هذا العمومِ، فهذا أيضا معزيٌّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولكنْ في طريقهِ ظنونٌ، ولولا ذلك ما قلَّدَ مؤمنٌ مجتهدًا، فإنْ بلغَنا حديثًا منْ رسولِ اللِه المعصومِ صلَّى الله عليه وسلم الذي فُرضَ علينا طاعتُه بسندٍ صالحٍ يدلُّ على خلافِ مذهبهِ، وتركنا حديثَهُ واتبعنا ذلكَ التخمينَ فمنْ أظلمُ منَّا ؟!! وما عذرُنا يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ؟!
(2) - ومنها أنَّ تتبعَ الكتابُ والآثارُ لمعرفةِ الأحكامِ الشرعيةِ على مراتبَ: