فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 463

مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الْجَرَّ وَالْإِسْبَالَ لِلْخُيَلَاءِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» (1)

(1) - صحيح البخارى برقم (5934) ومسلم برقم (5687)

شرح النووي على مسلم - (ج 7 / ص 236)

َأَمَّا الْوَاصِلَة فَهِيَ الَّتِي تَصِل شَعْر الْمَرْأَة بِشَعْرٍ آخَر، وَالْمُسْتَوْصِلَة الَّتِي تَطْلُب مَنْ يَفْعَل بِهَا ذَلِكَ، وَيُقَال لَهَا: مَوْصُولَة. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي تَحْرِيم الْوَصْل، وَلَعْن الْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة مُطْلَقًا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار، وَقَدْ فَصَّلَهُ أَصْحَابنَا فَقَالُوا: إِنْ وَصَلَتْ شَعْرهَا بِشَعْرِ آدَمِيّ فَهُوَ حَرَام بِلَا خِلَاف، سَوَاء كَانَ شَعْر رَجُل أَوْ اِمْرَأَة، وَسَوَاء شَعْر الْمُحَرَّم وَالزَّوْج وَغَيْرهمَا بِلَا خِلَاف لِعُمُومِ الْأَحَادِيث، وَلِأَنَّهُ يَحْرُم الِانْتِفَاع بِشَعْرِ الْآدَمِيّ وَسَائِر أَجْزَائِهِ لِكَرَامَتِهِ، بَلْ يُدْفَن شَعْره وَظُفْره وَسَائِر أَجْزَائِهِ. وَإِنْ وَصَلَتْهُ بِشَعْرِ غَيْر آدَمِيّ فَإِنْ كَانَ شَعْرًا نَجَسًا وَهُوَ شَعْر الْمَيْتَة وَشَعْر مَا لَا يُؤْكَل إِذَا اِنْفَصَلَ فِي حَيَاته فَهُوَ حَرَام أَيْضًا لِلْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ حَمَلَ نَجَاسَة فِي صَلَاته وَغَيْرهَا عَمْدًا، وَسَوَاء فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ الْمُزَوَّجَة وَغَيْرهَا مِنْ النِّسَاء وَالرِّجَال. وَأَمَّا الشَّعْر الطَّاهِر مِنْ غَيْر الْآدَمِيّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْج وَلَا سَيِّد فَهُوَ حَرَام أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فَثَلَاثَة أَوْجُه: أَحَدهَا لَا يَجُوز لِظَاهِرِ الْأَحَادِيث، وَالثَّانِي لَا يَحْرُم، وَأَصَحّهَا عِنْدهمْ إِنْ فَعَلَتْهُ بِإِذْنِ الزَّوْج أَوْ السَّيِّد جَازَ، وَإِلَّا فَهُوَ حَرَام. قَالُوا: وَأَمَّا تَحْمِير الْوَجْه وَالْخِضَاب بِالسَّوَادِ وَتَطْرِيف الْأَصَابِع فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْج وَلَا سَيِّد أَوْ كَانَ وَفَعَلَتْهُ بِغَيْرِ إِذْنه فَحَرَام، وَإِنْ أَذِنَ جَازَ عَلَى الصَّحِيح. هَذَا تَلْخِيص كَلَام أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَسْأَلَة، فَقَالَ مَالِك وَالطَّبَرِيّ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ: الْوَصْل مَمْنُوع بِكُلِّ شَيْء سَوَاء وَصَلَتْهُ بِشَعْرِ أَوْ صُوف أَوْ خِرَق، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِر الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ أَنْ تَصِل الْمَرْأَة بِرَأْسِهَا شَيْئًا. وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد: النَّهْي مُخْتَصّ بِالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ، وَلَا بَأْس بِوَصْلِهِ بِصُوفِ وَخِرَق وَغَيْرهَا. وَقَالَ بَعْضهمْ: يَجُوز جَمِيع ذَلِكَ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَائِشَة، وَلَا يَصِحّ عَنْهَا، بَلْ الصَّحِيح عَنْهَا كَقَوْلِ الْجُمْهُور. قَالَ الْقَاضِي: فَأَمَّا رَبْط خُيُوط الْحَرِير الْمُلَوَّنَة وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يُشْبِه الشَّعْر فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَقْصُود الْوَصْل، إِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِين. قَالَ: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ وَصْل الشَّعْر مِنْ الْمَعَاصِي الْكَبَائِر لِلَعْنِ فَاعِله. وَفِيهِ أَنَّ الْمُعِين عَلَى الْحَرَام يُشَارِك فَاعِله فِي الْإِثْم، كَمَا أَنَّ الْمُعَاوِن فِي الطَّاعَة يُشَارِك فِي ثَوَابهَا. وَاللَّه أَعْلَم.

وانظر مشكل الآثار للطحاوي - (ج 3 / ص 124) والمنتقى - شرح الموطأ - (ج 4 / ص 368) وشرح ابن بطال - (ج 17 / ص 206) وموطأ محمد بشرح اللكنوي - (ج 3 / ص 211) وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 5 / ص 218) وفتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 11) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 1773)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت