فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 463

،وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ. وَفِي وَصْلِ الشَّعْرِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «الَّذِى يَشْرَبُ فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (1)

(1) - صحيح مسلم برقم (5506) = يجرجر: يحدر فيه

وفي شرح النووي على مسلم - (ج 7 / ص 137)

قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ، فَقِيلَ: هُوَ إِخْبَار عَنْ الْكُفَّار مِنْ مُلُوك الْعَجَم وَغَيْرهمْ الَّذِينَ عَادَتُهُمْ فِعْل ذَلِكَ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر (هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَة) أَيْ هُمْ الْمُسْتَعْمِلُونَ لَهَا فِي الدُّنْيَا، وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْب الْحَرِير: (إِنَّمَا يَلْبَس هَذَا مَنْ لَا خَلَاق لَهُ فِي الْآخِرَة) أَيْ لَا نَصِيب. قَالَ: وَقِيلَ: الْمُرَاد نَهْي الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ اِرْتَكَبَ هَذَا النَّهْي اِسْتَوْجَبَ هَذَا الْوَعِيد، وَقَدْ يَعْفُو اللَّه عَنْهُ. هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَالصَّوَاب أَنَّ النَّهْي يَتَنَاوَل جَمِيع مَنْ يَسْتَعْمِل إِنَاء الذَّهَب أَوْ الْفِضَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّار؛ لِأَنَّ الصَّحِيح أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرْع، وَاللَّه أَعْلَم

وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيم الْأَكْل وَالشُّرْب فِي إِنَاء الذَّهَب، وَإِنَاء الْفِضَّة عَلَى الرَّجُل وَعَلَى الْمَرْأَة، وَلَمْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء إِلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّهُ يُكْرَه، وَلَا يَحْرُم. وَحَكَوْا عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيّ تَحْرِيم الشُّرْب. وَجَوَاز الْأَكْل، وَسَائِر وُجُوه الِاسْتِعْمَال، وَهَذَانِ النَّقْلَانِ بَاطِلَانِ. أَمَّا قَوْل دَاوُدَ فَبَاطِل لِمُنَابَذَةِ صَرِيح هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي النَّهْي عَنْ الْأَكْل وَالشُّرْب جَمِيعًا وَلِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاع قَبْله قَالَ أَصْحَابنَا اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى تَحْرِيم الْأَكْل وَالشُّرْب وَسَائِر الِاسْتِعْمَال فِي إِنَاء ذَهَب أَوْ فِضَّة إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ وَقَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم فَهُمَا مَرْدُودَانِ بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاع، وَهَذَا إِنَّمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ عَلَى قَوْل مَنْ يَعْتَدّ بِقَوْلِ دَاوُدَ فِي الْإِجْمَاع وَالْخِلَاف، وَإِلَّا فَالْمُحَقِّقُونَ يَقُولُونَ: لَا يُعْتَدّ بِهِ لِإِخْلَالِهِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ أَحَد شُرُوط الْمُجْتَهِد الَّذِي يُعْتَدّ بِهِ. وَأَمَّا قَوْل الشَّافِعِيّ الْقَدِيم فَقَالَ صَاحِب التَّقْرِيب: إِنَّ سِيَاق كَلَام الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ نَفْس الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّذِي اُتُّخِذَ مِنْهُ الْإِنَاء لَيْسَتْ حَرَامًا، وَلِهَذَا لَمْ يَحْرُم الْحُلِيّ عَلَى الْمَرْأَة. هَذَا كَلَام صَاحِب التَّقْرِيب، وَهُوَ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابنَا، وَهُوَ أَتْقَنُهُمْ لِنَقْلِ نُصُوص الشَّافِعِيّ. وَلِأَنَّ الشَّافِعِيّ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَدِيم. وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْمُجْتَهِد إِذَا قَالَ قَوْلًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ لَا يَبْقَى قَوْلًا لَهُ، وَلَا يُنْسَب إِلَيْهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا يُذْكَر الْقَدِيم، وَيُنْسَب إِلَى الشَّافِعِيّ مَجَازًا، وَبِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ قَوْل لَهُ الْآن. فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى تَحْرِيم اِسْتِعْمَال إِنَاء الذَّهَب وَإِنَاء الْفِضَّة فِي الْأَكْل وَالشُّرْب وَالطَّهَارَة، وَالْأَكْل بِمِلْعَقَةٍ مِنْ أَحَدهمَا، وَالتَّجَمُّر بِمِجْمَرَةٍ مِنْهُمَا، وَالْبَوْل فِي الْإِنَاء مِنْهُمَا، وَجَمِيع وُجُوه الِاسْتِعْمَال، وَمِنْهَا الْمُكْحُلَة، وَالْمِيل، وَظَرْف الْغَالِيَة، وَغَيْر ذَلِكَ، سَوَاء الْإِنَاء الصَّغِير وَالْكَبِير، وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيم الرَّجُل وَالْمَرْأَة بِلَا خِلَاف، وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة فِي التَّحَلِّي لِمَا يُقْصَد مِنْهَا مِنْ التَّزْيِين لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّد.

قَالَ أَصْحَابنَا وَيَحْرُم اِسْتِعْمَال مَاء الْوَرْد وَالْأَدْهَان مِنْ قَارُورَة الذَّهَب وَالْفِضَّة. قَالُوا: فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِطَعَامٍ فِي إِنَاء ذَهَب أَوْ فِضَّة فَلْيُخْرِجْ الطَّعَام إِلَى إِنَاء آخَر مِنْ غَيْرهمَا، وَيَأْكُل مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنَاء آخَر فَلْيَجْعَلْهُ عَلَى رَغِيف إِنْ أَمْكَنَ. وَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالدُّهْنِ فِي قَارُورَة فِضَّة فَلْيَصُبَّهُ فِي يَده الْيُسْرَى، ثُمَّ يَصُبّهُ مِنْ الْيُسْرَى فِي الْيُمْنَى، وَيَسْتَعْمِلهُ. قَالَ أَصْحَابنَا: وَيَحْرُم تَزْيِين الْحَوَانِيت وَالْبُيُوت وَالْمَجَالِس بِأَوَانِي الْفِضَّة وَالذَّهَب - هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَجَوَّزَهُ بَعْض أَصْحَابنَا. قَالُوا: وَهُوَ غَلَط. قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْأَصْحَاب: لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ اِغْتَسَلَ مِنْ إِنَاء ذَهَب أَوْ فِضَّة عَصَى بِالْفِعْلِ، وَصَحَّ وُضُوءُهُ وَغُسْله. هَذَا مَذْهَبنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالْعُلَمَاء كَافَّة، إِلَّا دَاوُدَ فَقَالَ: لَا يَصِحّ، وَالصَّوَاب الصِّحَّة. وَكَذَا لَوْ أَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ عَصَى بِالْفِعْلِ، وَلَا يَكُون الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوب حَرَامًا. هَذَا كُلّه فِي حَال الِاخْتِيَار. وَأَمَّا إِذَا اِضْطَرَّ إِلَى اِسْتِعْمَال إِنَاء فَلَمْ يَجِد إِلَّا ذَهَبًا أَوْ فِضَّة فَلَهُ اِسْتِعْمَاله فِي حَال الضَّرُورَة بِلَا خِلَاف. صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابنَا. قَالُوا: كَمَا تُبَاح الْمَيْتَة فِي حَال الضَّرُورَة. قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَوْ بَاعَ هَذَا الْإِنَاء صَحَّ بَيْعه؛ لِأَنَّهُ عَيْن طَاهِرَة يُمْكِن الِانْتِفَاع بِهَا بِأَنْ تُسْبَك.

وَأَمَّا اِتِّخَاذ هَذِهِ الْأَوَانِي مِنْ غَيْر اِسْتِعْمَال فَلِلشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَاب فِيهِ خِلَاف، وَالْأَصَحّ تَحْرِيمه. وَالثَّانِي كَرَاهَته، فَإِنْ كَرِهْنَاهُ اِسْتَحَقَّ صَانِعه الْأُجْرَة، وَوَجَبَ عَلَى كَاسِره أَرْشُ النَّقْص، وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا إِنَاء الزُّجَاج النَّفِيس فَلَا يَحْرُم بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا إِنَاء الْيَاقُوت وَالزُّمُرُّد وَالْفَيْرُوزَج وَنَحْوهَا فَالْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا جَوَاز اِسْتِعْمَالهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت