، فَهُنَالِكَ يَلْحَقُ الْوَعِيدُ بِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَعِيدِ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ سَبَبٌ فِي هَذَا الْعَذَابِ فَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ وَقُبْحُهُ،أَمَّا أَنَّ كَلَّ شَخْصٍ قَامَ بِهِ ذَلِكَ السَّبَبُ يَجِبُ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ بِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَزَوَالِ جَمِيعِ الْمَوَانِعِ (1)
(1) - وفي أنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 1 / ص 445)
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالْمَانِعِ) أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَعَدَمُهُ يُوجِبُ الْعَدَمَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرْطٌ وَأَمَّا الْمَانِعُ فَهُوَ قَدْرٌ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءً الْحُكْمَ وَانْتِهَاءَهُ كَالرَّضَاعِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً النِّكَاحَ وَيَقْطَعُ اسْتِمْرَارَهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْمَهْدِ وَتَرْضِعَ مِنْ أُمِّهِ فَتَصِيرُ أُخْتُهُ فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَالْقِسْمُ الثَّانِي يَمْنَعُ ابْتِدَاءً الْحُكْمَ دُونَ اسْتِمْرَارِهِ كَالِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً الْعَقْدَ عَلَى الْمُسْتَبْرَأَةِ فَإِنْ طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ بِأَنْ تُكْرَهَ عَلَى الزِّنَى يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الزَّوْجِ خَشْيَةَ اخْتِلَاطِ نَسَبِهِ بِالْمُتَوَلِّدِ مِنْ الزِّنَى وَلِأَنَّهُ يُلَاعِنُ حِينَئِذٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزِّنَى وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُلَاعَنَةُ وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ فَهَذَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءً النِّكَاحَ فَقَطْ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ فَيَمْتَنِعُ فِيهِمَا أَوْ بِالثَّانِي فَلَا يَمْتَنِعُ التَّمَادِي بِخِلَافِ الْمُبَادِي وَلَهُ صُوَرٌ: الصُّورَةُ الْأُولَى وُجِدَ أَنَّ الْمَاءَ يَمْنَعُ مِنْ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً عَلَى الصَّحِيحِ.
فَإِنْ طَرَأَ الْمَاءُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يُبْطِلُهَا أَمْ لَا فِيهِ؟ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الطَّوْلُ يَمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ ابْتِدَاءً عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنْ طَرَأَ الطَّوْلُ بَعْدَ النِّكَاحِ لِلْأَمَةِ فَهَلْ يُبْطِلُهُ أَمْ لَا؟ خِلَافٌ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ يَمْنَعُ مِنْهُ الْإِحْرَامُ ابْتِدَاءً فَإِنْ تَقَدَّمَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ فِي زَمَنِ الْحِلِّ ثُمَّ طَرَأَ الْإِحْرَامُ الْمَانِعُ فَهَلْ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِمْرَارِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ؟ خِلَافٌ فَقِيلَ: يَجِبُ إرْسَالُهُ وَقِيلَ: لَا يَجِبُ.
الشَّرْحُ
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالْمَانِعِ) وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَعَدَمُهُ يُوجِبُ عَدَمَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرْطٌ وَالْمَانِعُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا يَمْنَعُ وُجُودُهُ وُجُودَ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً النِّكَاحَ وَيَقْطَعُ اسْتِمْرَارَهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْمَهْدِ وَتَرْضِعَ مِنْ أُمِّهِ فَتَصِيرُ أُخْتُهُ فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَمَا يَمْنَعُ وُجُودُهُ وُجُودَ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً.
فَقَطْ كَالِاسْتِبْرَاءِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ عَلَى الْمُسْتَبْرَأَةِ وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِأَنْ تُكْرَهُ الزَّوْجَةُ عَلَى الزِّنَا فَيَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الزَّوْجِ خَشْيَةَ اخْتِلَاطِ نَسَبِهِ بِالْمُتَوَلِّدِ مِنْ الزِّنَا وَلِأَنَّهُ يُلَاعِنُ حِينَئِذٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزِّنَا وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُلَاعَنَةُ وَمَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ وُجُودِهِ يَمْنَعُ وُجُودَ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً كَالْأَوَّلِ أَوْ ابْتِدَاءً فَقَطْ كَالثَّانِي وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ: أَحَدُهَا الْمَاءُ يَمْنَعُ وُجُودَهُ مِنْ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً وَفِي مَنْعِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ إذْ طَرَأَ عَلَيْهِ فَيُبْطِلُهَا أَمْ لَا فَلَا يُبْطِلُهَا خِلَافٌ، الثَّانِيَةُ الطَّوْلُ يَمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ ابْتِدَاءً عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي مَنْعِهِ بَعْدَ نِكَاحِ الْأَمَةِ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ أَوْ لَا فَلَا يُبْطِلُهُ خِلَافٌ، الثَّالِثَةُ الْإِحْرَامُ يَمْنَعُ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ ابْتِدَاءً وَفِي مَنْعِهِ إذَا طَرَأَ عَلَى وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ فِي زَمَنِ الْحِلِّ فَيَجِبُ إرْسَالُهُ أَمْ لَا فَلَا يَجِبُ إرْسَالُهُ خِلَافٌ.
(الْفَرْقُ الْعَاشِرُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ) فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ يُعْتَبَرُ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ وَوُجُودُ الشَّرْطِ أَيْضًا مُعْتَبَرٌ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ الْحُكْمُ فَقَدْ يُعْدَمُ الْحَيْضُ وَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ وَيُعْدَمُ الدَّيْنُ وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ لِأَجْلِ الْإِغْمَاءِ فِي الْأَوَّلِ وَعَدَمِ النِّصَابِ فِي الثَّانِي وَكِلَاهُمَا يَلْزَمُهُ مِنْ فَقْدِهِ أَنَّهُ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّرِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ فَهُمَا فِي غَايَةِ الِالْتِبَاسِ وَلِذَلِكَ لَمْ أَجِدْ فَقِيهًا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ عَدَمُ الْمَانِعِ شَرْطٌ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالشَّرْطِ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ بِتَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ مَلْغِيٌّ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ حُكْمًا أَوْ فِي الشَّرْطِ لَمْ نُرَتِّبْ الْحُكْمَ أَيْضًا أَوْ فِي الْمَانِعِ رَتَّبْنَا الْحُكْمَ فَالْأَوَّلُ كَمَا إذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا بَقِيَتْ الْعِصْمَةُ فَإِنَّ الطَّلَاقَ هُوَ سَبَبُ زَوَالِ الْعِصْمَةِ وَقَدْ شَكَكْنَا فِيهِ فَتُسْتَصْحَبُ الْحَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَإِذَا شَكَكْنَا هَلْ زَالَتْ الشَّمْسُ أَمْ لَا لَا تَجِبُ الظُّهْرُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَأَمَّا الشَّرْطُ فَكَمَا إذَا شَكَكْنَا فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّا لَا نُقْدِمُ عَلَى الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْمَانِعُ فَكَمَا إذَا شَكَكْنَا فِي أَنَّ زَيْدًا قَبْلَ وَفَاتِهِ ارْتَدَّ أَمْ لَا فَإِنَّا نُوَرِّثُ مِنْهُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ وَقَدْ شَكَكْنَا فِيهِ فَنُوَرِّثُ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ يُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ الَّذِي يُجْزَمُ بِعَدَمِهِ فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَدَّعِي الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَذْهَبُك أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الطَّهَارَةِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ فَلِمَ يُجْعَلُ مِلْكُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كَالْمُتَحَقِّقِ الْعَدَمِ بَلْ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِي اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قُلْت: الْقَاعِدَةُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ هُنَا عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِأَجْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِهَا وَبَيَانُ هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنَّهُ مُسْتَغْلِقٌ مُتَنَاقِضُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى شَغْلِ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَرَاءَةُ لِلذِّمَّةِ مِنْ الْوَاجِبِ تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبٍ مُبَرِّئٍ إجْمَاعًا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ ضَرُورَةً فَالشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ سَبَبًا مُبَرِّئًا فَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ سَبَبًا مُبَرِّئًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الْحَدَثَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا مَشْكُوكًا فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ الْقَاعِدَةِ فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِمُخَالَفَتِهَا وَأَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَا يُسَاعِدُ عَلَى إعْمَالِهَا وَاعْتِبَارِهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَمَالِكٌ خَالَفَهَا فِي الْحَدَثِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي سَبَبُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
لَكِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَإِنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ وَالصَّلَاةَ مِنْ بَابِ الْمَقَاصِدِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوَسَائِلَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ فَكَانَتْ الْعِنَايَةُ بِالصَّلَاةِ وَإِلْغَاءُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَهُوَ السَّبَبُ الْمُبَرِّئُ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الطَّهَارَةِ وَإِلْغَاءِ الْحَدَثِ الْوَاقِعِ لَهَا فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَزْمًا فَلِذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِأَجْلِ اعْتِبَارِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا مِنْ أَيِّ الْوُجُوهِ أَوْلَى وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ فِي مُخَالَفَتِهَا فَظَهَرَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْقَاعِدَةَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَأَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ لِمُخَالَفَتِهَا فِي هَذَا الْفَرْعِ وَتَعَذَّرَتْ مُرَاعَاتُهَا فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَنَقُولُ لَوْ كَانَ عَدَمُ الْمَانِعِ شَرْطًا لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِيمَا إذَا شَكَكْنَا فِي طَرَيَان الْمَانِعِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ فَمَنْ شَكَّ فِي وُجُودِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ فَقَدْ شَكَّ فِي عَدَمِهِ مِنْ الدَّارِ بِالضَّرُورَةِ فَالشَّكُّ فِي أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي وُجُودِ الْمَانِعِ فَقَدْ شَكَكْنَا فِي عَدَمِهِ بِالضَّرُورَةِ وَعَدَمُهُ شَرْطٌ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ.
فَنَقُولُ: قَدْ شَكَكْنَا فِي الشَّرْطِ أَيْضًا فَإِذَا اجْتَمَعَ الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ وَالشَّرْطُ اقْتَضَى شَكُّنَا فِي الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمَانِعِ أَنْ لَا نُرَتِّبَ الْحُكْمَ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاقْتَضَى شَكُّنَا فِي الْمَانِعِ أَنْ نُرَتِّبَ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَاعِدَةِ فَنُرَتِّبُ الْحُكْمَ وَلَا نُرَتِّبُهُ وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَإِنَّمَا جَاءَنَا هَذَا الْمُحَالُ مِنْ اعْتِقَادِنَا أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطٌ فَيَجِبُ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِذَا كَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(الْفَرْقُ الْعَاشِرُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ) مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ مُعْتَبَرٌ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّرِهِ وُجُودُهُ وَلَا عَدَمُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَبِعَدَمِهِ لَا تَجِبُ لِأَجْلِ الْإِغْمَاءِ وَأَنَّ عَدَمَ الدَّيْنِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَا تَجِبُ بِهِ لِعَدَمِ النِّصَابِ فَكُلٌّ مِنْ عَدَمِ الدَّيْنِ وَعَدَمِ الْحَيْضِ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّرِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ فِقْدَانِهِ الْعَدَمُ فَهُمَا فِي غَايَةِ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَنَّك لَا تَجِدُ فَقِيهًا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ: عَدَمُ الْمَانِعِ شَرْطٌ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّقِيضِينَ فِيمَا إذَا شَكَكْنَا فِي طُرُوءِ الْمَانِعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ النَّقِيضِينَ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي وُجُودِ الْمَانِعِ فَقَدْ شَكَكْنَا فِي عَدَمِهِ بِالضَّرُورَةِ وَعَدَمُهُ شَرْطٌ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ فَيَجْتَمِعُ الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ وَالشَّرْطُ وَالْقَاعِدَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ مُلْغًى فِي الشَّرِيعَةِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ أَوْ فِي الشَّرْطِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ حُكْمًا أَوْ فِي الْمَانِعِ رَتَّبْنَا الْحُكْمَ فَإِذَا شَكَّ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ زَوَالِ الْعِصْمَةِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ زَوَالَهَا بَلْ نَسْتَصْحِبُ الْحَالَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَكَذَا الشَّكُّ فِي زَوَالِ الشَّمْسِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الظُّهْرِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَإِذَا شَكَكْنَنَا فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَمْ نُقَدِّمْ عَلَى الصَّلَاةِ.
وَإِذَا شَكَكْنَا فِي رِدَّةِ زَيْدٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ فَإِنَّا نُلْغِي مَنْعَ الْكُفْرِ مِنْ الْإِرْثِ وَنُوَرِّثُ مِنْهُ اسْتِصْحَابًا بِالْأَصْلِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ نُرَتِّبَ الْحُكْمَ وَلَا نُرَتِّبَهُ.
وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَبَطَلَ اعْتِقَادُ أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطٌ وَوَجَبَ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ نَعَمْ مَحَلُّ مُرَاعَاةِ قَاعِدَةِ إلْغَاءِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ إجْمَاعًا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ إذَا لَمْ تَتَعَذَّرْ مُرَاعَاتُهَا كَذَلِكَ وَإِلَّا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا فِي وَجْهٍ لِأَجْلِ اعْتِبَارِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي وَجْهٍ آخَرَ وَذَلِكَ كَمَا فِي فَرْعِ مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الطَّهَارَةِ أَوْجَبَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَجْعَلْ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَالْمُتَحَقِّقِ الْعَدَمِ وَخَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ قَاعِدَةَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ كَالطَّهَارَةِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ ضَرُورَةً كَالصَّلَاةِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى شَغْلِ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَرَاءَةُ لِلذِّمَّةِ مِنْ الْوَاجِبِ تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبٍ مُبَرِّئٍ إجْمَاعًا فَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا بِسَبَبِ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ وَجَعَلْنَاهَا سَبَبًا مُبَرِّئًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مِنْ إلْغَاءِ كُلِّ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الْحَدَثَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا مَشْكُوكًا فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَيْضًا فَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِمُخَالَفَتِهَا وَأَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَا يُسَاعِدُ عَلَى إعْمَالِهَا وَاعْتِبَارِهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَمَالِكٌ خَالَفَهَا فِي الْحَدَثِ الرَّافِعِ لِلطَّهَارَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَكِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَتْ الْمُخَالَفَةُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
وَكَانَتْ الطَّهَارَةُ مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ وَالصَّلَاةُ مِنْ بَابِ الْمَقَاصِدِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوَسَائِلَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ كَانَتْ الْعِنَايَةُ بِالصَّلَاةِ وَإِلْغَاءُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَهُوَ السَّبَبُ الْمُبَرِّئُ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الطَّهَارَةِ وَإِلْغَاءِ الْحَدَثِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ الرَّافِعِ لَهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ لِمُخَالَفَتِهَا فِي هَذَا الْفَرْعِ لِتَعَذُّرِ مُرَاعَاتِهَا فِيهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَلِذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا فِي وَجْهٍ لِأَجْلِ اعْتِبَارِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي وَجْهٍ آخَرَ وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي أَيِّ الْوُجُوهِ أَوْلَى وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ فِي مُخَالَفَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وانظر الموافقات في أصول الشريعة - (ج 1 / ص 81) وتلقيح الافهام العلية بشرح القواعد الفقهية - (ج 3 / ص 80) وكتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 6 / ص 33) وصحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 82) وفتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 339) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 5 / ص 277)