وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
إمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا جَائِزًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَالتَّرْكِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ؛ وَلَا قَصَّرَ فِي الطَّلَبِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى الْفُتْيَا أَوْ الْحُكْمِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ،فَهَذَا لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَعَرَّةِ التَّرْكِ شَيْءٌ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا غَيْرَ جَائِزٍ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ قَدْ يَخَافُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَاصِرًا فِي دَرْكِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: فَيَقُولُ مَعَ عَدَمِ أَسْبَابِ الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا نَظَرٌ وَاجْتِهَادٌ أَوْ يُقَصِّرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَيَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ النَّظَرُ نِهَايَتَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُتَمَسِّكًا بِحُجَّةِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ عَادَةٌ أَوْ غَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ لِيَنْظُرَ فِيمَا يُعَارِضُ مَا عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّ الْحَدَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ قَدْ لَا يَنْضَبِطُ لِلْمُجْتَهِدِ. وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ يَخَافُونَ مِثْلَ هَذَا خَشْيَةَ أَلَّا يَكُونَ الِاجْتِهَادُ الْمُعْتَبَرُ قَدْ وُجِدَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَهَذِهِ ذُنُوبٌ (1)
(1) - وفي الموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 111)
المسألة السابعة- الاجتهاد الواقع في الشريعة ضربان:
أحدهما الاجتهاد المعتبر شرعا وهو الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمعرفة ما يفتقر إليه الاجتهاد،وهذا هو الذى تقدم الكلام فيه.
والثانى غير المعتبر وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه،لأن حقيقته أنه رأيٌ بمجرد التشهي والأغراض،وخبطٌ في عمايةٍ واتباعٌ للهوى فكلُّ رأيٍ صدرَ على هذا الوجهِ فلا مِريةَ في عدمِ اعتبارهِ؛ لأنه ضدُّ الحقِّ الذى أنزل الله كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ل .. } (48) سورة المائدة، وقال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (26) سورة ص، وهذا على الجملة لا إشكال فيه،ولكن قد ينشأ في كلِّ واحدٍ من القسمين قسمٌ آخر:
فأما القسم الأول وهي المسألة الثامنة- فيعرض فيه الخطأ في الاجتهاد إمَّا بخفاء بعض الأدلة حتى يتوهم فيه ما لم يقصد منه، وإمَّا بعدم الإطلاع عليه جملة،وحكم هذا القسم معلوم من كلام الأصوليين إنْ كان في أمر جزئيٍّ وأمَّا إنْ كان في أمر كليٍّ فهو أشدُّ، وفي هذا الموطن حذِّر من زلة العالم، فإنه جاء في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير منها فروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنِّي لَأَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي مِنْ أَعْمَالٍ ثَلَاثَةٍ، قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنِّي أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَمِنْ حُكْمِ الْجَائِرِ، وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ» (( رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم برقم(10007) وفيه ضعف وله شواهد ))وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: «ث ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ» (( أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم برقم(12009 و12011) وهو حسن ))وعن أبي الدرداء أنه قال: «إنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ زَلَّةَ الْعَالِمِ وَجِدَالَ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ حَقٌّ، وَعَلَى الْقُرْآنِ مَنَارٌ كَأَعْلَامِ الطَّرِيقِ.» (( المصدر نفسه برقم(12010) وفيه انقطاع ))وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىَّ عَائِذَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عُمَيْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ كَانَ لاَ يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إِلاَّ قَالَ اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَوْمًا إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ مَا لِلنَّاسِ لاَ يَتَّبِعُونِى وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِىَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلاَلَةٌ وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلاَلَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ. قَالَ قُلْتُ لِمُعَاذٍ مَا يُدْرِينِى رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلاَلَةِ وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ قَالَ بَلَى اجْتَنِبْ مِنْ كَلاَمِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِى يُقَالُ لَهَا مَا هَذِهِ وَلاَ يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا. (( أبو داود برقم(4613) وهو صحيح ))""
و عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ: كَيْفَ أَنْتُمْ عِنْدَ ثَلَاثٍ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ؟ فَأَمَّا زَلَّةُ الْعَالِمِ فَإِنْ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ، وَأَمَّا مُجَادَلَةُ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ لِلْقُرْآنِ مَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ فَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَخُذُوهُ، وَمَا لَمْ تَعْرِفُوهُ فَكِلُوهُ إلَى اللَّهِ، وَأَمَّا دُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ فَانْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَتُشَبَّهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ بِانْكِسَارِ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا غَرِقَتْ غَرِقَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. (( جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر برقم(12014) وفيه انفطاع ))
وعن ابن عباس أنه قال: «ويل للأتباع من عثرات العالم قيل: وكيف ذلك يا ابن عباس؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه ثم يسمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدع ما كان عليه» (( المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي -(ج 2 / ص 208) برقم (687) وهو صحيح موقوف ))
وقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ:"رَآنِي أَبِي وَأَنَا أَنْشُدُ الشِّعْرَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَا تَنْشُدُ الشِّعْرَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَانَ الْحَسَنُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُنْشِدُ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إنْ أَخَذْتُ بِشَرِّ مَا فِي الْحَسَنِ وَبِشَرِّ مَا فِي ابْنِ سِيرِينَ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ"
وقال مجاهد والحكم بن عيينة ومالك ل: َيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: إنْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا إجْمَاعٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وهذا كله وما أشبهه دليل على طلب الحذر من زلة العالم،وأكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذى اجتهد فيه والوقوف دون أقصى المبالغة في البحث عن النصوص فيها،وهو وإن كان على غير قصد ولا تعمُّد وصاحبهُ معذورٌ ومأجور،لكن مما ينبني عليه في الإتباع لقوله فيه خطر عظيم،وقد قال الغزالي: إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرةٌ وذكر منها أمثلة ثم قال: فهذه ذنوب يتَّبع العالمُ عليها فيموتُ العالِمُ ويبقى شرهُ مستطيرًا في العالَمِ أيامًا متطاولة ً، فطوبى لمن إذا ماتَ ماتتْ معه ذنوبهُ. (( إحياء علوم الدين -(ج 1 / ص 422 ) ))
وهكذا الحكم مستمرٌّ في زلته في الفتيا من باب أولى، فإنه ربما خفي على العالم بعض السنَّة أو بعض المقاصدِ العامةِ في خصوص مسألته فيفضي ذلك إلى أن يصيرَ قولهُ شرعًا يتقلدُ وقولًا يعتبرُ في مسائل الخلاف فربما رجعَ عنه وتبين لهُ الحقَّ فيفوته تداركُ ما سار في البلاد عنه ويضلُّ عنه تلافيه، فمن هنا قالوا:زلة ُالعالم مضروبٌ بها الطبلُ
فصل- إذا ثبت هذا فلا بد من النظر في أمور تنبني على هذا الأصل:
منها -أن زلة العالم لا يصح اعتمادُها من جهة ٍولا الأخذُ بها تقليدًا له،وذلك لأنها موضوعةٌ على المخالفة للشرع،ولذلك عدتْ زلةً،وإلا فلو كانت معتدا بها لم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير ولا أن يشنعَ عليه بها ولا ينتقصَ من أجلها أو يعتقدَ فيه الإقدامَ على المخالفةِ بحتًا، فإن هذا كلَّه خلافُ ما تقتضي رتبته في الدين، وقد تقدم من كلام معاذ بن جبل وغيره ما يرشد إلى هذا المعنى،
إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 4 / ص 51)
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: كُنْتُ بِالْكُوفَةِ فَنَاظَرُونِي فِي النَّبِيذِ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعَالَوْا فَلْيَحْتَجَّ الْمُحْتَجُّ مِنْكُمْ عَمَّنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرُّخْصَةِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الرَّدَّ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِسَنَدٍ صَحَّتْ عَنْهُ، فَاحْتَجُّوا فَمَا جَاءُوا عَنْ أَحَدٍ بِرُخْصَةٍ إلَّا جِئْنَاهُمْ بِسَنَدٍ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ فِي يَدِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَلَيْسَ احْتِجَاجُهُمْ عَنْهُ فِي شِدَّةِ النَّبِيذِ بِشَيْءٍ يَصِحُّ عَنْهُ، إنَّمَا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَبِذْ لَهُ فِي الْجَرِّ الْأَخْضَرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: فَقُلْتُ لِلْمُحْتَجِّ عَنْهُ فِي الرُّخْصَةِ: يَا أَحْمَقُ، عُدْ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَوْ كَانَ هَاهُنَا جَالِسًا فَقَالَ: هُوَ لَكَ حَلَالٌ، وَمَا وَصَفْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي الشِّدَّةِ كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَحْذَرَ وَتَخْشَى.
فَقَالَ قَائِلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ - وَسَمَّى عِدَّةً مَعَهُمَا - كَانُوا يَشْرَبُونَ الْحَرَامَ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: دَعُوا عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ تَسْمِيَةَ الرِّجَالِ، فَرُبَّ رَجُلٍ فِي الْإِسْلَامِمَنَاقِبُهُ كَذَا وَكَذَا، وَعَسَى أَنْ تَكُونَ مِنْهُ زَلَّةٌ، أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَا؟ فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ؟ قَالُوا: كَانُوا خِيَارًا، قُلْتُ: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ؟ قَالُوا: حَرَامٌ، فَقُلْتُ: إنَّ هَؤُلَاءِ رَأَوْهُ حَلَالًا، أَفَمَاتُوا وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ؟ فَبُهِتُوا وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ.
والحقُّ ما قال ابن المبارك، فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (59) سورة النساء، فإذا كان بينا ظاهرا أن قول القائل مخالفٌ للقرآن أو للسنةِ لم يصحَّ الاعتدادُ به ولا البناءُ عليه،ولأجل هذا ينقضُ قضاء القاضي إذا خالف النصَّ أو الإجماعَ، مع أن حكمه مبنيٌّ على الظواهر مع إمكان خلاف الظاهر ولا ينقضُ مع الخطأ في الاجتهاد،وإن تبين لأنَّ مصلحة نصب الحاكم تناقض نقض حكمه،ولكن ينقض مع مخالفة الأدلةِ، لأنه حكم بغير ما أنزل الله. (انتهى بتصرف قليل)