فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ الْمُحَرِّمُ وَاسْتَنَدَ فِي الْإِبَاحَةِ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا؛ وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مَأْجُورًا مَحْمُودًا لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} (79) سورة الأنبياء، فَاخْتَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ؛ وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (1) ،فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خَطَئِهِ لَهُ أَجْرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ (2)
(1) - صحيح البخارى برقم (7352) ومسلم برقم (4584)
(2) - وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 20 / ص 413)
لَا يَلْزَم مِنْ رَدّ حُكْمه أَوْ فَتْوَاهُ إِذَا اِجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ أَنْ يَأْثَم بِذَلِكَ، بَلْ إِذَا بَذَلَ وُسْعه أُجِرَ، فَإِنْ أَصَابَ ضُوعِفَ أَجْره، لَكِنْ لَوْ أَقْدَم فَحَكَمَ أَوْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْم لَحِقَهُ الْإِثْم كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَإِنَّمَا يُؤْجَر الْحَاكِم إِذَا أَخْطَأَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالِاجْتِهَادِ فَاجْتَهَدَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَلَا، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ"الْقُضَاة ثَلَاثَة - وَفِيهِ - وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقّ فَهُوَ فِي النَّار، وَقَاضٍ قَضَى وَهُوَ لَا يَعْلَم فَهُوَ فِي النَّار"وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن عَنْ بُرَيْدَةَ بِأَلْفَاظ مُخْتَلِفَة، وَقَدْ جَمَعْت طُرُقه فِي جُزْء مُفْرَد، وَيُؤَيِّد حَدِيث الْبَاب مَا وَقَعَ فِي قِصَّة سُلَيْمَان فِي حُكْم دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي أَصْحَاب الْحَرْث، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِيمَا مَضَى قَرِيبًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي مَعَالِم السُّنَن إِنَّمَا يُؤْجَر الْمُجْتَهِد إِذَا كَانَ جَامِعًا لِآلَةِ الِاجْتِهَاد، فَهُوَ الَّذِي نَعْذِرُهُ بِالْخَطَأِ، بِخِلَافِ الْمُتَكَلِّف فَيُخَاف عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّمَا يُؤْجَر الْعَالِم لِأَنَّ اِجْتِهَاده فِي طَلَب الْحَقّ عِبَادَة، هَذَا إِذَا أَصَابَ، وَأَمَّا إِذَا أَخْطَأَ فَلَا يُؤْجَر عَلَى الْخَطَأ بَلْ يُوضَع عَنْهُ الْإِثْم فَقَطْ كَذَا قَالَ: وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْله"وَلَهُ أَجْر وَاحِد"مَجَاز عَنْ وَضْع الْإِثْم.