فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 463

2 -... دَوَرَانُ الدَّلِيلِ بَيْنَ الِاسْتِقْلَالِ بِالْحُكْمِ وَعَدَمِهِ .

3 -... دَوَرَانُهُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ , نَحْوُ قوله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ..} (256) سورة البقرة ،اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ (1)

(1) - وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 811) :

اختلف العلماء في ( معنى ) هذه الآية على ستة أقوال:

( الأوّل ) قيل إنها منسوخة؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام؛ قاله سليمان بن موسى ، قال: نسختها { ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين } [ التوبة: 73 ] . وروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين .

( الثاني ) ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصةً ، وأنهم لا يُكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية ، والذين يُكرهون أهلُ الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام فهم الذين نزل فيهم { ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين } [ التوبة: 73 ] . هذا قول الشعبيّ وقتادة والحسن والضحاك . والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمِي أيتها العجوز تسلمي ، إن الله بعث محمدًا بالحق . قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليّ قريب! فقال عمر: اللهم اشهد ، وتلا { لاَ إكْرَاهَ في الدِّينِ } .

( الثالث ) ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار ، كانت تكون المرأة مِقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده؛ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } . قال أبو داود: والمِقلاتُ التي لا يعيش لها ولدٌ . في رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه ، وأما إذا جاء الله بالإسلام فنُكرِههم عليه فنزلت: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام . وهذا قول سعيد بن جبير والشعبيّ ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع . قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أُولى الأقوال لصحة إسناده ، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي .

( الرابع ) قال السدي: نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان ، فقدم تجارٌ من الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، فلما أرادوا الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصّرا ومضيا معهم إلى الشام ، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيًا أمرهما ، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردّهما فنزلت: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب ، وقال: «أبعدهما الله هما أوّل من كفر» ! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [ النساء: 65 ] ، الآية ثم إنه نسخ { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة «براءة» . والصحيح في سبب قوله تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السَّقْي ، على ما يأتي في «النساء» بيانه إن شاء الله تعالى . وقيل: معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مُجْبَرًا مُكْرهًا؛ وهو القول الخامس . وقول سادس ، وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارًا ، وإن كانوا مجوسًا صغارًا أو كبارًا أو وثنيين فإنهم يجبرون على الإسلام؛ لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين؛ ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم ، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما ، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذّر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له الإجبار . ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك . وأما أشهب فإنه قال: هم على دين من سباهم ، فإذا امتنعوا أُجبروا على الإسلام ، والصغار لا دين لهم فلذلك أجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل . فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا عربًا أم عجمًا قريشًا أو غيرهم . وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ومن تقبل منه في «براءة» إن شاء الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت