6 -... وَأَمَّا اخْتِلَافُ التَّنْوِيعِ , فَأَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ الِاسْمِ الْعَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ , لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ . مِثَالُ ذَلِكَ تَفْسِيرُ قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (32) سورة فاطر قَالَ بَعْضُهُمْ: السَّابِقُ الَّذِي يُصَلِّي أَوَّلَ الْوَقْتِ , وَالْمُقْتَصِدُ فِي أَثْنَائِهِ , وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ إلَى الِاصْفِرَارِ .
وَقِيلَ: السَّابِقُ الْمُحْسِنُ بِالصَّدَقَةِ , وَالْمُقْتَصِدُ بِالْبَيْعِ , وَالظَّالِمُ بِأَكْلِ الرِّبَا . وَاخْتِلَافُ التَّنَوُّعِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ يَكُونُ فِي الْوُجُوبِ تَارَةً وَفِي الِاسْتِحْبَابِ أُخْرَى: فَالْأَوَّلُ مِثْلُ أَنْ يَجِبَ عَلَى قَوْمٍ الْجِهَادُ , وَعَلَى قَوْمٍ الصَّدَقَةُ , وَعَلَى قَوْمٍ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ . وَهَذَا يَقَعُ فِي فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَمَا مُثِّلَ . وَفِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ , وَلَهَا تَنَوُّعٌ يَخُصُّهَا , وَهُوَ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا غَيْرُهُ: فَقَدْ تَتَعَيَّنُ فِي وَقْتٍ , أَوْ مَكَان , وَعَلَى شَخْصٍ أَوْ طَائِفَةٍ كَمَا يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْجِهَاد وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ . قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ تَنَوُّعٍ فِي الْوَاجِبَاتِ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ .