ج / 3 ص -106- قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَقَدْ تَيَقَّنَ حُصُولَ النَّجَاسَةِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي غَسَلَهُ هُوَ الطَّاهِرُ فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، كَالثَّوْبِ الطَّاهِرِ الْوَاحِدِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَخَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُهَا فَتَحَرَّى وَغَسَلَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالتَّحَرِّي وَصَلَّى فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ بِيَقِينٍ وَثَوْبٍ طَاهِرٍ فِي الظَّاهِرِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ اشْتَرَاهُ لَا يَعْلَمُ وَثَوْبٍ غَسَلَهُ ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي أَحَدِ الْكُمَّيْنِ وَاشْتَبَهَ فَوَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يَتَحَرَّى لِأَنَّهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَتَحَرَّى ؛ لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ مُتَمَيِّزَتَانِ هُمَا كَالثَّوْبَيْنِ ، فَإِنْ فَصَلَ أَحَدَ الْكُمَّيْنِ جَازَ التَّحَرِّي فِيهِ بِلَا خِلَافٍ"."
الشرح: فِيهِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا: إذَا اشْتَبَهَ ثَوْبٌ نَجِسٌ لَزِمَهُ التَّحَرِّي فِيهِمَا وَيُصَلِّي فِي الَّذِي يُؤَدِّي اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ سَبَقَ بَيَانُهُ بِأَدِلَّتِهِ فِي بَابِ التَّحَرِّي فِي الْمَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَدَدُ الطَّاهِرِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ ، حَتَّى لَوْ اشْتَبَهَ عَشْرَةُ ثِيَابٍ أَحَدُهَا طَاهِرٌ وَالْبَاقِي نَجِسٌ اجْتَهَدَ ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ وَاشْتَبَهَا وَمَعَهُ ثَالِثٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ أَوْ مَعَهُ مَا يُمْكِنُ بِهِ غَسْلُ ثَوْبٍ هَلْ لَهُ الِاجْتِهَادُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي مِثْلِهِ فِي الْأَوَانِي أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَغْسِلُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مَعَهُ ثَالِثٌ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي إتْلَافِ الْمَاءِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهِ ، فِيهِ احْتِرَازَاتٌ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ، وَقَوْلُهُ: شَرْطٌ هُوَ الصَّوَابُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُنَاكَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا هُنَاكَ ، وَقَاسَ عَلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِيهَا مَعَ أَنَّ جِهَاتِ الْخَطَأِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ جِهَةِ الصَّوَابِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا اجْتَهَدَ فَتَحَيَّرَ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ شَيْءٌ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى عُرْيَانًا وَمَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ. وَعُذْرُهُ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ ، كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فِيهِ وَأَعَادَ لِئَلَّا يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالْبَيَانِ أَنَّهُ يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ ثَوْبٍ مَرَّةً ، وَلَا إعَادَةَ حِينَئِذٍ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ بِنَجَاسَةٍ بِيَقِينٍ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُصَلِّي عُرْيَانًا وَيُعِيدُ. هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ يَغْسِلُ بِهِ أَحَدَهُمَا ، فَإِنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ أَحَدِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ ، ِأَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يُرِيدُ غَسْلَهُ لَا يَتَيَقَّنُ نَجَاسَتَهُ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ غَسْلِ مَا لَا يَعْلَمُ نَجَاسَتَهُ وَهَذَا خَيَالٌ عَجِيبٌ وَخَطَأٌ ظَاهِرٌ ، وَإِنَّمَا أَذْكُرُ مِثْلَهُ لِأُبَيِّنَ بُطْلَانَهُ ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي جَوَابِ هَذَا ، إنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ النَّجِسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ إلَّا بِغَسْلِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا.
الثَّالِثَةُ: إذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا فَغَسَلَ الْآخَرَ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إلَّا وَجْهًا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الَّذِي لَمْ يَغْسِلْهُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَوْ لَبِسَهُمَا مَعًا وَصَلَّى فَفِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أَصَحُّهُمَا