ج / 1 ص -116- تَبَارَكَ وَتعالى: وَنَصْرِفُ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ قُلُوبَنَا وَأَلْسِنَتَنَا، فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الصَّوَابُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي ذَلِكَ، وَهُوَ سَبِيلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَأَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ أَصْوَنُ وَأَسْلَمُ لِلْعَامَّةِ وَأَشْبَاهِهِمْ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا بَاطِلًا تَفْصِيلًا، فَفِي هَذَا صَرْفٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ وَأَسْلَمُ.
وَإِذَا عَزَّرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ حَادَ مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَقَدْ تَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي تَعْزِيرِ صَبِيحٍ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: وَالْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مُعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَبِأَنَّهَا أَسْلَمُ لِمَنْ سَلِمَتْ لَهُ، وَكَانَ الْغَزَالِيُّ مِنْهُمْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ شَدِيدَ الْمُبَالَغَةِ فِي الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْبَرْهَنَةِ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ"الغياثي"أَنَّ الْإِمَامَ يَحْرِصُ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى جَمْعِ الْخَلْقِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ.
وَاسْتُفْتِيَ الْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتعالى: فَكَانَ مِنْ جَوَابِهِ: وَأَمَّا الْخَوْضُ فِي أَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى حَرْفٌ وَصَوْتٌ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ مَنْ يَدْعُو الْعَوَامَّ إلَى الْخَوْضِ فِي هَذَا فَلَيْسَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُضِلِّينَ، وَمِثَالُهُ مَنْ يَدْعُو الصِّبْيَانَ الَّذِينَ لَا يُحْسِنُونَ السِّبَاحَةَ إلَى خَوْضِ الْبَحْرِ، وَمَنْ يَدْعُو الزَّمِنَ الْمُقْعَدَ إلَى السَّفَرِ فِي الْبَرَارِيِ مِنْ غَيْرِ مَرْكُوبٍ. وَفِي رِسَالَةٍ لَهُ: الصَّوَابُ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ إلَّا الشَّاذَّ النَّادِرَ، الَّذِي لَا تَسْمَحُ الْأَعْصَارُ إلَّا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ اثْنَيْنِ - سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ فِي الْإِيمَانِ الْمُرْسَلِ، وَالتَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ، بِكُلِّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ، وَالِاشْتِغَالُ بِالتَّقْوَى فَفِيهِ شُغْلٌ شَاغِلٌ.
وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ فِي كِتَابِهِ أَدَبُ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي: إنَّ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَتْوَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَوْسُومًا بِالْفَتْوَى فِي الْفِقْهِ لَمْ يَنْبَغِ وَفِي نُسْخَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَضَعَ خَطَّهُ بِفَتْوَى فِي مسألة:مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَتِمُّ قِرَاءَةَ