ج / 1 ص -115- السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَيْسَ بِمُنْكَرٍ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْحُجَّةَ إذَا كَانَتْ نَصًّا وَاضِحًا مُخْتَصَرًا، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَا يَذْكُرُ الْحُجَّةَ إنْ أَفْتَى عَامِّيًّا، وَيَذْكُرُهَا إنْ أَفْتَى فَقِيهًا، كَمَنْ يُسْأَلُ عَنْ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ فَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ". أَوْ عَنْ رَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيَقُولُ: لَهُ رَجَعْتُهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] ، قَالَ وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يَذْكُرَ فِي فَتْوَاهُ طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ، وَوَجْهُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ، إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ الْفَتْوَى بِقَضَاءِ قَاضٍ فَيُومِئُ فِيهَا إلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ. وَيَلُوحُ بِالنُّكْتَةِ وَكَذَا إذَا أَفْتَى غَيْرَهُ فِيهَا بِغَلَطٍ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غُمُوضٌ فَحَسَنٌ أَنْ يَلُوحَ بِحُجَّتِهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": لَا يَذْكُرُ حُجَّةً لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْفُتْيَا وَالتَّصْنِيفِ. قَالَ: وَلَوْ سَاغَ التَّجَاوُزُ إلَى قَلِيلٍ لَسَاغَ إلَى كَثِيرٍ، وَلَصَارَ الْمُفْتِي مُدَرِّسًا، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ إطْلَاقِ صَاحِبِ"الْحَاوِي"الْمَنْعَ. وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُفْتِي فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ إلَى أَنْ يُشَدِّدَ وَيُبَالِغَ فَيَقُولُ: وَهَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، أَوْ: فَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ الْوَاجِبَ وَعَدَلَ عَنْ الصَّوَابِ، أَوْ: فَقَدْ أَثِمَ وَفَسَقَ، أَوْ: وَعَلَى وَلَيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ بِهَذَا وَلَا يُهْمِلَ الْأَمْرَ، وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَى حَسْبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَتَوْجِيهُ الْحَالِ .
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو - رحمه الله: لَيْسَ لَهُ إذَا اُسْتُفْتِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ أَنْ يُفْتِيَ بِالتَّفْصِيلِ، بَلْ يَمْنَعُ مُسْتَفْتِيَهُ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ. وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَقْتَصِرُوا فِيهَا عَلَى الْإِيمَانِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَيَقُولُوا فِيهَا وَفِي كُلِّ مَا وَرَدَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا الْمُتَشَابِهَةِ: إنَّ الثَّابِتَ فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَا هُوَ اللَّائِقُ فِيهَا بِجَلَالِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، وَكَمَالِهِ وَتَقْدِيسِهِ الْمُطْلَقِ، فَيَقُولُ مُعْتَقِدُنَا فِيهَا، وَلَيْسَ عَلَيْنَا تَفْصِيلُهُ وَتَعْيِينُهُ، وَلَيْسَ الْبَحْثُ عَنْهُ مِنْ شَأْنِنَا، بَلْ نَكِلُ عِلْمَ تَفْصِيلِهِ إلَى اللَّهِ