ج / 3 ص -81- أَذَّنَ لَهَا وَصَلَّاهَا عَلَى الدَّابَّةِ لِلْعُذْرِ، وَيَجِبُ إعَادَتُهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ:"أَذَّنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلصُّبْحِ وَأَنَا عَلَى رَاحِلَتِي"فَضَعِيفٌ وَالله أَعْلَمُ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَسْتَدِيرَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي كَيْفِيَّةِ الِالْتِفَاتِ الْمُسْتَحَبِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ:"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ"ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ"حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ"وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ:"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ"ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ"ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ"حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ"ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ:"حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ"وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ يَقُولُ:"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ"مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ"حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ"مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ قِيلَ: اسْتَحْبَبْتُمْ الْتِفَاتَ الْمُؤَذِّنِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَكَرِهْتُمْ الْتِفَاتَ الْخَطِيبِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْخُطْبَةِ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْنَا: الْخَطِيبُ وَاعِظٌ لِلْحَاضِرِينَ فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَعْرِضَ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ الْمُؤَذِّنِ فَإِنَّهُ دَاعٍ لِلْغَائِبِينَ، فَإِذَا الْتَفَتَ كَانَ أَبْلَغَ فِي دُعَائِهِمْ وَإِعْلَامِهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِ تَرْكُ أَدَبٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْمُرَادُ بِالِالْتِفَاتِ أَنْ يَلْوِيَ رَأْسَهُ وَعُنُقَهُ وَلَا يُحَوِّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَا يُزِيلَ قَدَمَهُ عَنْ مَكَانِهَا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَسْتَدِيرُ، وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَدِيرُ فِي الْمَنَارَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: إنْ كَانَ بَلَدًا صَغِيرًا وَعَدَدًا قَلِيلًا لَمْ يَسْتَدِرْ ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَفِي جَوَازِ الِاسْتِدَارَةِ وَجْهَانِ ، وَهُمَا فِي مَوْضِعِ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَلَا يَسْتَدِيرُ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ ، وَالسُّنَّةُ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَقَائِمًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَذَانِ ، فَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَالْقِيَامَ فِيهَا فَهُوَ كَتَرْكِهِ فِي الْأَذَانِ ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْإِقَامَةِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: يُسْتَحَبُّ ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ قَالَ: وَحَكَى بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ ، يَعْنِي الْفُورَانِيَّ صَاحِبَ الْإِبَانَةِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً: لَا يُسْتَحَبُّ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْحَاضِرِينَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِالْتِفَاتِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَلْتَفِتُ إلَّا أَنْ يَكْبُرَ الْمَسْجِدُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا شَرَعَ فِي الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ تَمَّمَهَا فِيهِ وَلَا يَمْشِي فِي أَثْنَائِهَا.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الِالْتِفَاتَاتِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَالِاسْتِدَارَةِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْحَيْعَلَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَدُورُ وَلَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى مَنَارَةٍ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَدُورُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إسْمَاعَ النَّاسِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: يَلْتَفِتُ وَلَا يَدُورُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنَارَةٍ فَيَدُورُ، وَاحْتَجَّ لِمَنْ قَالَ يَدُورُ بِحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ:"رَأَيْتُ"