ج / 3 ص -43- الله عنه قَالَ:"أَخَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ: صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"أَعْتَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ: إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ فِي فَضِيلَةِ التَّأْخِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَآخَرِينَ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَقْدِيمَهَا أَفْضَلُ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي"الْمَجْمُوعِ"وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ، وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَآخَرُونَ، وَقَطَعَ بِهِ سَلِيمٌ فِي"الْكِفَايَةِ"وَالْمَحَامِلِيُّ فِي"الْمُقْنِعِ"، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ، وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الْكَافِي وَالْغَزَالِيُّ فِي"الْخُلَاصَةِ"، وَالشَّاشِيُّ فِي الْعُمْدَةِ. وَقَطَعَ الزُّبَيْرِيُّ فِي"الْكَافِي"بِتَفْضِيلِ التَّأْخِيرِ، وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا أُخِّرَتْ إلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ فِي قَوْلٍ وَثُلُثُهُ فِي قَوْلٍ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ"الْعُدَّةِ"وَآخَرُونَ قَالُوا: وَلَا يُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ فِي اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَتَقْدِيمِهَا قَوْلَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. قَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، بَلْ عَلَى حَالَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا لَا يَغْلِبُهُ نَوْمٌ وَلَا كَسَلٌ اُسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهَا، وَإِلَّا فَتَعْجِيلُهَا، وَجُمِعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِهَذَا، وَضَعَّفَ الشَّاشِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِضَعِيفٍ كَمَا زَعَمَ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ أَوْ الْأَرْجَحُ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ"التَّقْرِيبِ"وَآخَرُونَ يَحْصُلُ بِأَنْ يَشْغَلَ أَوَّلَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَضُرُّ الشُّغْلُ الْخَفِيفُ كَأَكْلِ لُقَمٍ وَكَلَامٍ قَصِيرٍ، وَلَا يُكَلَّفُ الْعَجَلَةَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَشَرَطَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ تَقْدِيمَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ لِنَيْلِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِأَنَّ السَّتْرَ وَاجِبٌ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالصَّلَاةِ، وَضَعَّفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلُوا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَبْقَى وَقْتُ الْفَضِيلَةِ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ وَادَّعَى صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَكَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: إلَى نِصْفِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَالثَّالِثُ: لَا تَحْصُلُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ حَتَّى يُقَدِّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنْ تَقْدِيمُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ لِتَنْطَبِقَ الصَّلَاةُ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَعَلَى هَذَا قِيلَ: لَا يَنَالُ الْمُتَيَمِّمُ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَنْ أَصْحَابِهِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْوَقْتُ أَوْ لَا يَبْقَى إلَّا وَقْتٌ لَوْ أَخَّرَ عَنْهُ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ.
فرع: لَوْ كَانَ عَادَةُ الْإِمَامِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِحِيَازَةِ