ج / 3 ص -22- فِي اللَّيْلِ فَأَوَّلُ صَلَاةٍ تَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الصُّبْحُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنْ الظُّهْرِ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ الظُّهْرُ، وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا حِينَئِذٍ، وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا مَصِيرَ الْفَيْءِ مِثْلَ الشِّرَاكِ. وَحَكَى السَّاجِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَصِيرَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عليه السلام. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَخِلَافُ الْأَحَادِيثِ، دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى السَّابِقُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّابِقُ قَرِيبًا"وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ"وَأَمَّا حَدِيثُ جِبْرِيلَ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ كَانَ الْفَيْءُ حِينَئِذٍ مِثْلَ الشِّرَاكِ مِنْ وَرَائِهِ لَا أَنَّهُ أَخَّرَ إلَى أَنْ صَارَ مِثْلَ الشِّرَاكِ.
فرع: فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ
قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله: الزَّوَالُ هُوَ مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ بَعْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ، وَعَلَامَتُهُ زِيَادَةُ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ ظِلَّ الشَّخْصِ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ طَوِيلًا مُمْتَدًّا، فَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَقَصَ، فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَقَفَ الظِّلُّ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ عَادَ الظِّلُّ إلَى الزِّيَادَةِ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ هَلْ زَالَتْ فَانْصِبْ عَصًا أَوْ غَيْرَهَا فِي الشَّمْسِ عَلَى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَعَلِّمْ عَلَى طَرْفِ ظِلِّهَا ثُمَّ رَاقِبْهُ فَإِنْ نَقَصَ الظِّلُّ عَلِمْتَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ، وَلَا تَزَالُ تُرَاقِبُهُ حَتَّى يَزِيدَ فَمَتَى زَادَ عَلِمْتَ الزَّوَالَ حِينَئِذٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ مَا يَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ الظِّلِّ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْبِلَادِ، فَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ الظِّلُّ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي الصَّيْفِ عِنْدَ تَنَاهِي طُولِ النَّهَارِ، وَأَطْوَلُ مَا يَكُونُ فِي الشِّتَاءِ عِنْدَ تَنَاهِي قِصَرِ النَّهَارِ. وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّاسِبِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ: إنَّ عِنْدَ انْتِهَاءِ طُولِ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ لَا يَكُونُ بِمَكَّةَ ظِلٌّ لِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ عِنْدَ الزَّوَالِ سِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا قِبَلَ انْتِهَاءِ الطُّولِ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا بَعْدَ انْتِهَائِهِ، وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَتَى لَمْ يُرَ لِلشَّخْصِ ظِلٌّ فَإِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ، فَإِذَا رَأَى الظِّلَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّمْسَ قَدْ زَالَتْ وَبَاقِي أَيَّامِ السَّنَةِ مُعَرَّفَةُ الزَّوَالِ بِمَكَّةَ كَمَعْرِفَتِهَا بِغَيْرِهَا وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ فَيْءٌ بِمَكَّةَ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ لَا غَيْرُ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: قَامَةُ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ بِقَدَمِ نَفْسِهِ.
فرع: فِي قَوْلِ الله تَعَالَى {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} أَمَّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلَامُهُ، وَأَمَّا الدُّلُوكُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَأَصْحَابُنَا: هُوَ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي بُرْدَةَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ الْغُرُوبُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَهُمَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ، وَمِمَّنْ حَكَاهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ، وَجَزَمَ الزُّبَيْدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَابْنُ فَارِسٍ بِأَنَّهُ الزَّوَالُ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ ، وَاخْتَارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ