ج / 2 ص -252- واحتج أصحابنا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنصرف حتى تسمع صوتا أو تجد ريحا"وهو حديث صحيح كما سبق، وهذا الحديث وإن ورد على سبب فالتمسك بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على المختار عند أصحابنا وغيرهم من أهل الأصول؛ ولأن رؤية الماء ليس حدثا لكن وجوده مانع من ابتداء التيمم، وذكر أصحابنا أدلة كثيرة لا يظهر الاستدلال بأكثرها فحذفتها. وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية الكريمة والحديث فهو أنهما محمولان على واجد الماء قبل الدخول في الصلاة.
والجواب عن القياس على الحدث: أنه مناف للصلاة بكل حال، بخلاف التيمم وعن المستحاضة: بأن حدثها متجدد؛ ولأنها مستصحبة للنجاسة، والمتيمم بخلافها، وعن القياس الآخر على الحدث: أنه مناف بكل حال؛ ولأنه يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء، كطرآن"العدة"بالشبهة والإحرام على النكاح، وعن الخف أنه ينسب إلى تفريط لعدم تعهده وإصلاحه أو لمضايقته المدة، فنظير الماسح من نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم فيعيد على الصحيح لتقصيره، وعن القياس على المريض والأمي والعريان أن هذه أحوال تغير صفة الصلاة ولا تبطلها. وعن المعتدة أنها رأت الأصل قبل الفراغ من البدل، والمتيمم رأى الماء بعد الفراغ من البدل وهو التيمم فليس نظيرها، وإنما نظير المتيمم من"العدة"أن تحيض بعد أن تنقضي الأشهر وتتزوج، وحينئذ لا أثر للحيض وعدتها صحيحة، ونظير"العدة"من التيمم أن ترى الماء في أثناء التيمم والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وإن تيمم للمرض وصلى ثم برأ لم يلزمه الإعادة؛ لأن المرض من الأعذار العامة فهو كعدم الماء في السفر".
الشرح: إذا تيمم للمرض حيث جوزناه وصلى ثم برأ، لا يلزمه الإعادة بلا خلاف سواء كان في سفر أو حضر؛ لأنه عذر عام، فلو وجبت الإعادة حصل الحرج، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: من الآية78] ويقال: برأ وبرئ وبرؤ، ثلاث لغات سبق بيانهن قريبا، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وإن تيمم لشدة البرد وصلى ثم زال البرد، فإن كان في الحضر لزمه الإعادة؛ لأن ذلك من الأعذار النادرة، وإن كان في السفر ففيه قولان أحدهما: لا يجب؛ لأن عمرو بن العاص رضي الله عنه تيمم وصلى لشدة البرد، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بالإعادة. والثاني: يجب؛ لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك، ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل فهو كعدم الماء في الحضر".
الشرح: حديث عمرو وحاله تقدم بيانه في فصل تيمم المريض. وقوله: عذر نادر، احتراز من المرض وعدم الماء في السفر، وقوله: غير متصل، احتراز من الاستحاضة.
أما حكم المسألة: فقال أصحابنا: إذا وجد المحدث أو الجنب الماء وخاف من استعماله لشدة البرد، لا لمرض ونحوه وخوف، يجوز للمريض التيمم، فإن قدر على أن يغسل عضوا عضوا ويدثره، أو قدر على تسخين الماء بأجرة مثله أو على ماء مسخن بثمن مثله لزمه ذلك، ولم يجز له التيمم لا في الحضر ولا في السفر؛ لأنه واجد للماء قادر على استعماله. ، فإن خالف وتيمم لم يصح