ج / 2 ص -245- واحتج أصحابنا بحديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا وصليا، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين"رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم. قال أبو داود: ذكر أبي سعيد في هذا الحديث وهم وليس بمحفوظ، بل هو مرسل قلت: ومثل هذا المرسل يحتج به الشافعي وغيره كما قدمنا بيانه في مقدمة هذا الكتاب أن الشافعي يحتج بمرسل كبار التابعين إذا أسند من جهة أخرى أو يرسل من جهة أخرى، أو يقول به بعض الصحابة أو عوام العلماء، وقد وجد في هذا الحديث شيئان من ذلك أحدهما: ما قدمناه قريبا، عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة"، وهذا صحيح عن ابن عمر كما سبق، الثاني: روى البيهقي بإسناده عن أبي الزناد قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب، وذكر تمام فقهاء المدينة السبعة، يقولون:"من تيمم وصلى ثم وجد الماء وهو في الوقت أو بعده لا إعادة عليه،"واحتج أصحابنا أيضا بالقياس على المريض يصلي بالتيمم أو قاعدا، والجواب عن احتجاجهم: أن ما ذكروه ليس نظير مسألتنا، بل نظيره من صلى بالتيمم ومعه ماء نسيه، ونظير مسألتنا ما عمله الصحابي باجتهاد ثم نزل النص بإثبات الحكم بخلاف اجتهاده، فإنه لا يبطل ما عمله والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وإن كان معه في السفر ماء فدخل عليه وقت الصلاة فأراقه أو شربه من غير حاجة وتيمم وصلى ففيه وجهان. أحدهما: يلزمه إعادة؛ لأنه مفرط في إتلافه والثاني: لا يلزمه؛ لأنه تيمم وهو عادم للماء، فصار كما لو أتلفه قبل دخول الوقت".
الشرح: قال أصحابنا: إذا كان معه ماء صالح لطهارته فأخرجه عن كونه مطهرا بإراقته أو شربه أو سقي دابة أو غيرها أو تنجيسه أو صب الزعفران ونحوه فيه أو غير ذلك، ثم احتاج إلى التيمم تيمم بلا خلاف؛ لأنه فاقد للماء، ثم ينظر فإن كان تفويت الماء قبل دخول الوقت فلا إعادة عليه بلا خلاف وإن فوته سفها؛ لأنه لا فرض عليه قبل الوقت. وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله:"كما لو أتلفه قبل دخول الوقت"وإن فوته في الوقت، فإن كان لغرض كشربه لحاجة أو سقيه دابة محترمة لحاجتها أو غسل ثوبه لنجاسة أو تنظفا، فلا إعادة بلا خلاف؛ لأنه معذور، وكذا لو اشتبه إناءان فعجز عن معرفة الطاهر فأراقهما، فلا إعادة قطعا؛ لأنه معذور، وإن كان التفويت في الوقت لغير غرض فهو حرام بلا خلاف، وفي وجوب الإعادة وجهان مشهوران، وقد ذكر المصنف دليلهما، أصحهما عند الأصحاب: لا إعادة. قال صاحب الشامل: وهذا كمن قطع رجله فإنه عاص وإذا صلى جالسا أجزأه، قال القاضي حسين والمتولي: الوجهان هنا كالقولين فيمن فر، فطلق امرأته بائنا في مرض الموت هل ينقطع إرثها؟ لأن بدخول الوقت تعلق حق الطهارة بالماء كما أن بالمرض تعلق حقها بالإرث، أما إذا مر بماء في الوقت فلم يتوضأ، فلما بعد منه تيمم وصلى ففي الإعادة طريقان. أصحهما وأشهرهما,