ج / 2 ص -225- فرع: في مذاهب العلماء فيمن لم يجد ماء ولا ترابا، قد قدمنا أن في مذهبنا أربعة أقوال، وقال بكل واحد منها طائفة من العلماء، فحكى ابن المنذر عن الأوزاعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي أنه لا يصلي في الحال، بل يصبر حتى يجد الماء أو التراب، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أبي ثور، والرواية الأخرى عنه: أنه لا يصلي ولا يعيد، وحكاها أصحابنا عن داود، وعن مالك رواية أنه يصلي ويعيد، ورواية أنه يصلي ولا يعيد، ورواية لا يصلي، وفي الإعادة عندهم خلاف.
وقال أحمد: يصلي، وفي الإعادة روايتان. وقال المزني: يصلي ولا يعيد، وكذا عنده كل صلاة صلاها على حسب حاله لا تجب إعادتها، صرح بذلك في مختصره ونقله عنه الأصحاب، واحتج من منع الصلاة في الحال بقول الله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا} [النساء: من الآية43] وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور"رواه مسلم. وبحديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مفتاح الصلاة الطهور"رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وبالقياس على الحائض قبل انقطاع حيضها.
واحتج من لم يوجبها في الحال ولم يوجب القضاء بأنه عاجز عن الطهارة كالحائض، واحتج لمن قال: يصلي ولا يعيد بحديث عائشة رضي الله عنها"أنها استعارت قلادة من أسماء فهلكت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم"رواه البخاري ومسلم. ووجه الدلالة: أنهم صلوا بغير طهارة ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة، قالوا: ولأن إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم، وقياسا على المستحاضة والعريان والمصلي بالإيماء لشدة الخوف أو للمرض.
واحتج أصحابنا لوجوب الصلاة في الحال بحديث عائشة المذكور، فإن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم صلوا على حسب حالهم حين عدموا المطهر معتقدين وجوب ذلك، وأخبروا به النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم ولا قال: ليست الصلاة واجبة في هذا الحال، ولو كانت غير واجبة لبين ذلك لهم، كما قال لعمار رضي الله عنه:"إنما كان يكفيك كذا وكذا"وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم"رواه البخاري ومسلم. وهو مأمور بالصلاة بشروطها، فإذا عجز عن بعضها أتى بالباقي، كما لو عجز عن ستر العورة أو القبلة أو ركن كالقيام.
واحتجوا لوجوب الإعادة بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور"ولأنه عذر نادر غير متصل فلم تسقط الإعادة، كمن صلى محدثا ناسيا أو جاهلا حدثه، وكمن صلى إلى القبلة فحول إنسان وجهه عنها مكرها أو منعه من إتمام الركوع، فإنه يلزمه الإعادة بالاتفاق. كذا نقل الاتفاق فيه الشيخ أبو محمد الجويني، قال: وهذا مما وافق عليه المزني.
وأما الجواب عن احتجاج الأولين بالآية فمن وجهين.
أحدهما: أن المراد لا تقربوا موضع الصلاة وهو المسجد.