ج / 2 ص -219- أولى؛ لأن حدثه يرتفع به ولا يرتفع به حدث الجنب، وإن كان الماء يكفي الجنب ولا يفضل عنه شيء، ويكفي المحدث ويفضل عنه ما يغسل به الجنب بعض بدنه ففيه ثلاثة أوجه. أحدها: الجنب أولى؛ لأنه يستعمل جميع الماء بالإجماع، وإذا دفعناه إلى المحدث بقي ماء مختلف في وجوب استعماله في الجنابة. والثاني: المحدث أولى؛ لأن فيه تشريكا بينهم في الماء. والثالث: أنهما سواء، فيدفع الماء إلى من شاء منهما، لأنه يرفع حدث كل واحد منهما، ويستعمله كل واحد منهما بالإجماع"."
الشرح: في الفصل مسائل:
إحداها: إذا اجتمع ميت، وجنب، وحائض، ومحدث، ومن على بدنه نجاسة، وهناك ما يكفي أحدهم فإن كان لأحدهم فهو أحق به، ولا يجوز له أن يبذله لطهارة غيره. قال إمام الحرمين وغيره: لأن الإيثار إنما يشرع في حظوظ النفوس لا فيما يتعلق بالقرب والعبادات، قال أصحابنا: ويستوون كلهم في تحريم البذل، لما ذكرناه. هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الجمهور. وحكى الدارمي وابن الصباغ وغيرهما عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: من أصحابنا من قال: فيه قول آخر أنه إن كان الماء للجنب أو الحائض أو المحدث لزمه أن يقدم الميت به على نفسه ويأخذ ثمنه من مال الميت. قال ابن الصباغ: وهذا لا يعرف للشافعي، والصواب الأول، وعليه التفريع، فلو خالف صاحب الماء وبذله لغيره قال المحاملي في"المجموع"والصيدلاني: لا تصح هبته، ولا يزول ملكه فيه، كأنه محجور عليه فيه، وذكر جماعات في صحة هبته وجهين، وسنشرحهما مع ما يتعلق بهما في مسألة من أراق الماء سفها، حيث ذكرها المصنف بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال أصحابنا: فإذا صلى بالتيمم فإن كان الماء باقيا في يد الموهوب له لم يصح تيمم الباذل، وعليه إعادة الصلاة. وإن كان الماء قد تلف ففي وجوب الإعادة الوجهان فيمن أراق الماء بعد دخول الوقت سفها أصحهما: لا تجب وسنشرحهما في موضعهما إن شاء الله تعالى مع فروعهما، فهذا الذي ذكرته من التفصيل هو الذي قاله الأصحاب في الطريقين، ولم يوضح المصنف المسألة بتفصيلها، بل أطلق وجوب الإعادة. . وكلامه محمول على ما إذا تيمم والماء باق في يد الموهوب، وقد أنكر بعضه عليه إطلاقه ولا يصح إنكاره؛ لأن مراده ما ذكرته، هذا كله فيمن وهب بعد دخول الوقت، أما من وهب قبل الوقت فلا تحرم هبته وتصح صلاته بالتيمم، ولا إعادة كما لو أراقه قبل الوقت. وإذا أوجبنا الإعادة مع بقاء الماء أو مع عدمه على أحد الوجهين ففي قدر ما تجب إعادته ثلاثة أوجه، ستأتي هناك إن شاء الله تعالى، ومعنى قول الأصحاب في هذا: صاحب الماء أحق به أي لا حق لغيره فيه.
قال الأزهري:"أحق"في كلام العرب له معنيان. أحدهما: استيعاب الحق كله كقولك: فلان أحق بماله أي لا حق لأحد فيه غيره، والثاني: على ترجيح الحق وإن كان للآخر فيه نصيب، كقولك: فلان أحسن وجها من فلان، لا تريد نفي الحسن عن الآخر، بل تريد الترجيح، قال: وهذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الأيم أحق بنفسها من وليها"أي: لا يفتات عليها فيزوجها بغير إذنها، ولم ينف حق