ج / 2 ص -218- أما إذا اغتسل الجنب وبقي عضو من بدنه لم يجد له ماء فتيمم له، ثم أحدث فتيمم ثانيا، ثم وجد ماء يكفي ذاك العضو دون وضوئه، فقد قال القاضي حسين والمتولي والبغوي والروياني: إن قلنا فيمن وجد بعض ما يكفيه: لا يلزمه استعماله وجب استعمال هذا الماء في ذلك العضو، ولا يبطل تيممه؛ لأن التيمم الثاني وقع عن الحدث ولم يقدر بعده على ما يزيل الحدث.
وإن قلنا: يجب استعماله فقد تعارض فرضان أحدهما: الباقي من الجنابة والثاني: المقدور عليه من أعضاء الوضوء، وليس أحدهما أولى من الآخر. هذا كلام هؤلاء ونقله إمام الحرمين عن ابن سريج قال: ونقله الصيدلاني عنه ولم يعترض عليه.
قال الإمام: وفرقه بين قولنا: يجب استعماله أو لا يجب غير صحيح، وكذا أنكره الغزالي في"البسيط"، والشاشي. قال الشاشي: هذا بناء فاسد وتفريع باطل، بل يلزمه استعماله في العضو الباقي، من الجنابة -قولا واحدا- ولا يبطل تيممه على القولين؛ لأن الماء تعين استعماله عن الجنابة، والتيمم وقع عن الحدث، فلم يؤثر فيه ما لا يجب استعماله فيه. وهذا الذي قاله الشاشي هو الأظهر، وقد قطع صاحب"الحاوي"في باب صفة الغسل بأنه إذا أجنب فوجد ما يكفيه إلا موضعا يسيرا فاغتسل وبقي ذلك الموضع فتيمم وصلى، ثم وجد ما يكفيه لبدنه للباقي من الجنابة لزمه استعماله في هذا الباقي من الجنابة، ولا يستعمله في أعضاء الوضوء، فإذا استعمله في الباقي تيمم وصلى فرضا ونفلا. قال: وإن تيمم قبل استعماله جاز؛ لأن التيمم للحدث الطارئ، واستعمال الماء للجنابة فجاز تقديم أحدهما على الآخر. قال: فلو أراق هذا الماء بعد التيمم لم يكن له أن يصلي بهذا التيمم، بل يجدد تيمما بعد الإراقة؛ لأن تيممه لم يقع عن العضو الباقي من الجنابة والله أعلم.
قال المصنفرحمه الله تعالى:"وإن اجتمع ميت وجنب أو ميت وحائض انقطع دمها، وهناك ماء يكفي أحدهما، فإن كان لأحدهما كان صاحبه أحق به؛ لأنه محتاج إليه لنفسه، فلا يجوز له بذله لغيره، فإن بذله للآخر وتيمم لم يصح تيممه، وإن كان الماء لهما كانا فيه سواء. وإن كان الماء مباحا أو لغيرهما وأراد أن يجود به على أحدهما فالميت أولى؛ لأنه خاتمة طهارته، والجنب والحائض يرجعان إلى الماء فيغتسلان. وإن اجتمع ميت وحي على بدنه نجاسة والماء يكفي أحدهما، ففيه وجهان. أحدهما: صاحب النجاسة أولى؛ لأنه ليس لطهارته بدل ولطهارة الميت بدل، وهو التيمم [فكان 1 صاحب النجاسة أحق بالماء] . والثاني: الميت أولى وهو ظاهر المذهب؛ لأنه خاتمة طهارته، وإن اجتمع حائض وجنب والماء يكفي أحدهما، ففيه وجهان. قال أبو إسحاق رحمه الله: الجنب أولى؛ لأن غسله منصوص عليه في القرآن ومن أصحابنا من قال: الحائض أولى؛ لأنها تستبيح بالغسل ما يستبيح الجنب وزيادة وهو الوطء فكانت أولى، وإن اجتمع جنب ومحدث وهناك ماء يكفي المحدث ولا يكفي الجنب فالمحدث"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفين من المتوكلية والركبي (ط) .