ج / 2 ص -136- ما نهى القرآن عنه، ويتصون عن دنيء الاكتساب، وليكن شريف النفس عفيفا، متواضعا للصالحين وضعفة المسلمين، متخشعا ذا سكينة ووقار. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون. وقال الحسن البصري رحمه الله: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار، وقال الفضيل رحمه الله: حامل القرآن حامل راية الإسلام، ينبغي أن لا يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيما لحق القرآن، وليحذر أن يتخذ القرآن معيشة يكتسب بها.
ولا بأس بالاستئجار لقراءة القرآن عندنا، وسنبسط المسألة 1 بأدلتها إن شاء الله تعالى في كتاب الإجارة. وليحافظ على تلاوته، ويكثر منها بحسب حاله، وقد بسطت الكلام في بيان هذا، وعادات السلف فيه في التبيان، ويكون اعتناؤه بتلاوته في الليل أكثر، لأنه أجمع للقلب، وأبعد من الشاغلات، والملهيات، والتصرف في الحاجات، وأصون في تطرق الرياء، وغيره من المحبطات، مع ما جاء في الشرع من بيان ما فيه الخيرات، كالإسراء، وحديث النزول، وحديث:"في الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء وذلك كل ليلة". وسنبسط الكلام، والأحاديث في هذه المسألة حيث ذكرها المصنف في باب صلاة التطوع، إن شاء الله تعالى، وليحذر كل الحذر من نسيانه، أو نسيان شيء منه، أو تعريضه للنسيان، ففي"الصحيحين"عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها". وفي سنن أبي داود، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل، ثم نسيها". وفيه، عن سعد بن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة أجذم". والله أعلم.
فرع: في آداب الناس كلهم مع القرآن، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: من الآية32] وفي صحيح مسلم عن تميم الداري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقد أوضحت شرحه في أول شرح صحيح مسلم، وبينت الدلائل في أن مدار الإسلام عليه، وأقوال العلماء في شرحه.
ومختصر ما يحتاج إليه هنا أن العلماء قالوا: نصيحة كتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر الخلق على مثل سورة منه، وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها وتدبرها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وكما عرفت فإن الله تعالى شاء أن نبسطها نحن في كتاب الإجارة ملتزمين منهجه وذلك في الجزء الرابع عشر.