ج / 2 ص -86- داود وابن ماجه والبيهقي ولم يضعفه أبو داود ولا غيره. وبحديث ابن مسعود"أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس". رواه البخاري هكذا، ورواه أحمد والدارقطني والبيهقي، في بعض رواياته زيادة"فألقى الروثة وقال ائتني بحجر، يعني ثالثا"وفي بعضها"ائتني بغيرها"وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من استجمر فليوتر". رواه مسلم، وفي رواية لأحمد والبيهقي:"وإذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا". قال البيهقي: هذه الرواية تبين أن المراد بالإيتار في الرواية الأولى ما زاد على الواحد. واحتجوا من القياس بأشياء كثيرة، منها قياس القاضيين أبي الطيب وحسين في تعليقيهما: عبادة تتعلق بالأحجار، يستوي فيها الثيب والأبكار، فكان للعدد فيها اعتبار، قياسا على رمي الجمار.
قال أبو الطيب: قولنا يستوي فيها الثيب والأبكار احتراز من الرجم، ولا حاجة إلى الأقيسة مع هذه الأحاديث الصحيحة، قال الخطابي في حديث سلمان:"أمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار".
في هذا البيان الواضح أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز؛ وإن حصل الإنقاء بدونها. ولو كفى الإنقاء لم يكن لاشتراط العدد معنى، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى، لأنه يزيل العين والأثر، فدلالته قطعية، فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد. وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرا لا قطعا، فاشترط فيه العدد كالعدة بالأقراء، لما كانت دلالتها ظنا اشترط فيها العدد، وإن كان قد تحصل براءة الرحم بقرء. ولهذا اكتفي بقرء في استبراء الأمة، ولو كانت"العدة"بالولادة لم يشترط العدد، لأن دلالتها قطعية. هذا مختصر كلام الخطابي.
فإن قيل: التقييد بثلاثة أحجار، إنما كان لأن الإنقاء لا يحصل بدونها غالبا، فخرج مخرج الغالب، قلنا: لا يجوز حمل الحديث على هذا؛ لأن الإنقاء شرط بالاتفاق، فكيف يحل به ويذكر ما ليس بشرط مع كونه موهما للاشتراط. فإن قيل: فقد ترك ذكر الإنقاء، قلنا ذلك من المعلوم الذي يستغنى بظهوره عن ذكره بخلاف العدد، فإنه لا يعرف إلا بتوقيف. فنص على ما يخفى وترك ما لا يخفى، ولو حمل على ما قالوه لكان إخلالا بالشرطين معا، وتعرضا لما لا فائدة فيه، بل فيه إبهام.
والجواب عن الحديث الذي احتجوا به أن الوتر الذي لا حرج في تركه هو الزائد على ثلاثة جمعا بين الأحاديث. والجواب عن الدليلين الآخرين سبق في كلام الخطابي، والله أعلم
فرع: قال أصحابنا: لو مسح ذكره مرتين أو ثلاثة ثم خرجت منه قطرة، وجب استئناف الثلاث.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وفي كيفية الاستنجاء بالحجر وجهان. قال أبو علي بن أبي هريرة: يضع حجرا مقدم صفحته اليمنى، ويمره إلى آخرها، ثم يدير الحجر إلى الصفحة اليسرى، فيمره عليها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه، ويأخذ الثاني فيمره على الصفحة"