فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 4102

ج / 2 ص -50- تخالف كونه آخر الأمرين، فلعل هذه القضية هي آخر الأمرين واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء، ولا يجوز أيضا أن يكون ترك الوضوء قبلها، فإنه ليس فيها أن الوضوء كان لسبب الأكل، وأما دعواهم نسخ أحاديث ترك الوضوء فهي دعوى بلا دليل فلا تقبل.

وروى البيهقي عن الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي شيخ مسلم قال: اختلف الأول والآخر من هذه الأحاديث، فلم يقف على الناسخ منها ببيان يحكم به فأخذنا بإجماع الخلفاء الراشدين والأعلام من الصحابة رضي الله عنهم في الرخصة في ترك الوضوء مع أحاديث الرخصة.

والجواب عن أحاديثهم أنها منسوخة هكذا أجاب الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء، ومنهم من حمل الوضوء فيها على المضمضة وهو ضعيف.

واحتج القائلون بوجوب الوضوء بأكل لحم الجزور بحديث جابر بن سمرة"أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم الإبل". رواه مسلم من طرق.

وعن البراء"سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فأمر به". قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان حديث جابر والبراء.

وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: لم نر خلافا بين علماء الحديث في صحة هذا الحديث وانتصر البيهقي لهذا المذهب، فقال بعد أن ذكر ما ذكرناه: وأما ما روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم"الوضوء مما خرج، وليس مما دخل". فمرادهما ترك الوضوء مما مست النار. قال: وأما ما روي عن أبي جعفر عن ابن مسعود"أنه أتي بقصعة من لحم الجزور من الكبد والسنام، فأكل ولم يتوضأ"فهو منقطع وموقوف قال وبمثل هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واحتج أصحابنا بأشياء ضعيفة في مقابلة هذين الحديثين فتركتها لضعفها، والمعتمد للمذهب حديث جابر المذكور:"كان آخر الأمرين"ولكن لا يرد عليهم؛ لأنهم يقولون ينتقض بأكله نيئا وأصحابنا يقولون: هو محمول أكله مطبوخا؛ لأنه الغالب المعهود.

وأجاب الأصحاب عن حديث جابر بن سمرة والبراء بجوابين:

أحدهما: أن النسخ بحديث جابر كان آخر الأمرين.

والثاني: حمل الوضوء على غسل اليد والمضمضة. قالوا: وخصت الإبل بذلك لزيادة سهوكة لحمها، وقد نهى أن يبيت وفي يده أو فمه دسم خوفا من عقرب ونحوها، وهذان الجوابان اللذان أجاب بهما أصحابنا ضعيفان. أما حمل الوضوء على اللغوي فضعيف؛ لأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي كما هو معروف في كتب الأصول، وأما النسخ فضعيف أو باطل؛ لأن حديث ترك الوضوء مما مست النار عام، وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص يقدم على العام، سواء وقع قبله أو بعده وأقرب ما يستروح إليه قول الخلفاء الراشدين وجماهير الصحابة والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت