ج / 1 ص -302- غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ وَإِلَّا وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، وَهَذَا الطَّرِيقُ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَأَبِي إسْحَاقَ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورِ الْبَغْدَادِيِّينَ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَالْقَوْلَانِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى شَيْءٍ، وَهَذَا الطَّرِيقُ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْجُمْهُورِ. وَالثَّالِثُ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ طَهَارَةَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ إذَا اُنْتُقِضَتْ هَلْ يَنْتَقِضُ الْبَاقِي ؟ إنْ قُلْنَا يَنْتَقِضُ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَإِلَّا كَفَى الْقَدَمَانِ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ. وَالرَّابِعُ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ ؟ إنْ قُلْنَا: نَعَمْ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِأَنَّ الْحَدَثَ عَادَ إلَى الرِّجْلِ فَيَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْفَعُ كَفَى الْقَدَمَانِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ. والخامس: أَنَّهُمَا مُرَتَّبَانِ وَمَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ عَلَى غَيْرِ مَا سَبَقَ. فَإِنْ جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ كَفَى الْقَدَمَانِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. وَالسَّادِسُ: عَكْسُهُ إنْ مَنَعْنَا التَّفْرِيقَ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، حَكَى هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ.
وَاخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَرْجَحِ هَذِهِ الطُّرُقِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الصَّحِيحُ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ، وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: هَذَا الطَّرِيقُ غَلَطٌ صَرِيحٌ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شَيْخُهُمْ الْقَفَّالُ وَأَصْحَابُهُ الثَّلَاثَةُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا الطَّرِيقُ غَلَطٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَاحْتَجُّوا فِي تَغْلِيطِهِ بِأَشْيَاءَ أحدها: أَنَّ التَّفْرِيقَ لَا يَضُرُّ فِي الْجَدِيدِ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ كَمَا سَبَقَ. والثاني: أَنَّ التَّفْرِيقَ بِعُذْرٍ لَا يَضُرُّ وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ عُذْرٌ. الثالث: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ الْخُفَّ ثُمَّ خَلَعَهُ قَبْلَ جَفَافِ الْأَعْضَاءِ جَرَى الْقَوْلَانِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّفْرِيقِ لَا يَضُرُّ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ.
وَفَرَّقَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ بَيْنَ التَّفْرِيقِ هُنَا وَهُنَاكَ بِأَنَّ مَاسِحَ الْخُفِّ إذَا نَزَعَهُ بَطَلَتْ طَهَارَةُ الْقَدَمَيْنِ، وَالطَّهَارَةُ إذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَتْ كُلُّهَا فَلِهَذَا جَرَى الْقَوْلَانِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ الْوُضُوءَ تَفْرِيقًا يَسِيرًا فَلَمْ يَبْطُلْ شَيْءٌ مِمَّا فَعَلَ فَلِهَذَا جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ بِلَا خِلَافٍ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا نَصَّ فِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ الْجَدِيدِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِئْنَافِ لَا عَلَى وُجُوبِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ كَ"الأم"وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ. وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ التَّفْرِيقَ بِعُذْرٍ لَا يَضُرُّ، فَلَا يُسَلِّمُهُ الْعِرَاقِيُّونَ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ نَزَعَ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُسَلِّمُهُ صَاحِبُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ وَسَائِرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْمَحَامِلِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَصَحُّ الطُّرُقِ الْبِنَاءُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ، وَضَعَّفَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُهُ الشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ الْبِنَاءَ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَقَالُوا: الْأَصَحُّ أَنَّهُمَا أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَاخْتَارَ الدَّارِمِيُّ الطَّرِيقَ السَّادِسَ، فَهَذِهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي أَرْجَحِهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ.
وَأَمَّا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وُجُوبَ الِاسْتِئْنَافِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ