ج / 1 ص -22- الْمُتَيَقِّظُونَ، بَعْدَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَعَمَلِ الْوَاجِبَاتِ، التَّشْمِيرُ فِي تَبْيِينِ مَا كَانَ مُصَحِّحًا لِلْعِبَادَاتِ، الَّتِي هِيَ دَأَبُ أَرْبَابِ الْعُقُولِ، وَأَصْحَابِ الْأَنْفُسِ الزَّكِيَّاتِ، إذْ لَيْسَ يَكْفِي فِي الْعِبَادَاتِ صُوَرُ الطَّاعَاتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّاتِ.
وَهَذَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، وَقَبْلِهَا بِأَعْصَارٍ خَالِيَاتٍ، قَدْ انْحَصَرَتْ. مَعْرِفَتُهُ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّاتِ، الْمُصَنَّفَةِ فِي أَحْكَامِ الدِّيَانَاتِ، فَهِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِبَيَانِ ذَلِكَ، وَإِيضَاحِ الْخَفِيَّاتِ مِنْهَا، وَالْجَلِيَّاتِ، وَهِيَ الَّتِي أُوضِحَ فِيهَا جَمِيعُ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَالْوَقَائِعُ الْغَالِبَاتُ، وَالنَّادِرَاتُ، وَحُرِّرَ فِيهَا الْوَاضِحَاتُ، وَالْمُشْكِلَاتُ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ رضي الله عنهم التَّصْنِيفَ فِيهَا مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ، وَالْمَبْسُوطَاتِ، وَأَوْدَعُوا فِيهَا مِنْ الْمَبَاحِثِ، وَالتَّحْقِيقَاتِ، وَالنَّفَائِسِ الْجَلِيلَاتِ، وَجَمْعِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَمَا يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ، وَلَوْ عَلَى أَنْدَرِ الِاحْتِمَالَاتِ، الْبَدَائِعَ وَغَايَاتِ النِّهَايَاتِ، حَتَّى لَقَدْ تَرَكُونَا مِنْهَا عَلَى الْجَلِيَّاتِ الْوَاضِحَاتِ، فَشَكَرَ اللَّهُ الْكَرِيمُ لَهُمْ سَعْيَهُمْ، وَأَجْزَلَ لَهُمْ الْمَثُوبَاتِ، وَأَحَلَّهُمْ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ، وَجَعَلَ لَنَا نَصِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ، وَأَدَامَنَا عَلَى ذَلِكَ فِي ازْدِيَادٍ حَتَّى الْمَمَاتِ، وَغَفَرَ لَنَا مَا جَرَى، وَمَا يَجْرِي مِنَّا مِنْ الزَّلَّاتِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِوَالِدَيْنَا، وَمَشَايِخِنَا، وَسَائِرِ مَنْ نُحِبُّهُ، وَيُحِبُّنَا، وَمَنْ أَحْسَنَ إلَيْنَا، وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ، إنَّهُ سَمِيعُ الدَّعَوَاتِ جَزِيلُ الْعَطِيَّاتِ.
ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا الْمُصَنِّفِينَ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ، وَعَنْ سَائِرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَكْثَرُوا التَّصَانِيفَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَتَنَوَّعُوا فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَاشْتَهَرَ مِنْهَا لِتَدْرِيسِ الْمُدَرِّسِينَ، وَبَحْثِ الْمُشْتَغِلِينَ"المهذب"، وَ"الوسيط""، وَهُمَا كِتَابَانِ عَظِيمَانِ صَنَّفَهُمَا إمَامَانِ جَلِيلَانِ: أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيُّ رضي الله عنهما، وَتَقَبَّلَ ذَلِكَ، وَسَائِرَ أَعْمَالِهِمَا مِنْهُمَا."
وَقَدْ وَفَرَّ اللَّهُ الْكَرِيمُ دَوَاعِيَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ على الِاشْتِغَالِ