ج / 1 ص -21- مُقَدِّمَةُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْبَرِّ الْجَوَّادِ، الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنْ الْإِحْصَاءِ بِالْأَعْدَادِ، خَالِقِ اللُّطْفِ، وَالْإِرْشَادِ الْهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، الْمُوَفِّقِ بِكَرَمِهِ لِطُرُقِ السَّدَادِ. الْمَانِّ بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عَلَى مَنْ لَطَفَ بِهِ مِنْ الْعِبَادِ، الَّذِي كَرَّمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا بِالِاعْتِنَاءِ بِتَدْوِينِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِفْظًا لَهُ عَلَى تَكَرُّرِ الْعُصُورِ، وَالْآبَادِ، وَنَصَّبَ كَذَلِكَ جَهَابِذَةً مِنْ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ، وَجَعَلَهُمْ دَائِبِينَ فِي إيضَاحِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَالْبِلَادِ بَاذِلِينَ وُسْعَهُمْ مُسْتَفْرِغِينَ جُهْدَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي جَمَاعَاتٍ، وَآحَادٍ مُسْتَمِرِّينَ عَلَى ذَلِكَ مُتَابِعِينَ فِي الْجُهْدِ، وَالِاجْتِهَادِ.
أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ الْحَمْدِ، وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ، وَأَشْمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْكَرِيمُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ، وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ، وَخَلِيلُهُ، الْمُصْطَفَى بِتَعْمِيمِ دَعَوْتِهِ، وَرِسَالَتِهِ، الْمُفَضَّلُ عَلَى الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ مِنْ بَرِيَّتِهِ، الْمُشَرَّفُ عَلَى الْعَالَمِينَ قَاطِبَةً بِشُمُولِ شَفَاعَتِهِ، الْمَخْصُوصُ بِتَأْيِيدِ مِلَّتِهِ، وَسَمَاحَةِ شَرِيعَتِهِ، الْمُكَرَّمُ بِتَوْفِيقِ أُمَّتِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي إيضَاحِ مِنْهَاجِهِ، وَطَرِيقَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِتَبْلِيغِ مَا أُرْسِلَ بِهِ إلَى أُمَّتِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ، وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى إخْوَانِهِ مِنْ النَّبِيِّينَ، وَآلِ كُلٍّ، وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ، وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَظِيمُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات:56و57] وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْعِبَادَ خُلِقُوا لِلْعِبَادَةِ، وَلِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا بِالزَّهَادَةِ، فَكَانَ أَوْلَى مَا اشْتَغَلَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَاسْتَغْرَقَ الْأَوْقَاتِ فِي تَحْصِيلِهِ الْعَارِفُونَ، وَبَذَلَ الْوُسْعَ فِي إدْرَاكِهِ الْمَشْهُورُونَ، وَهَجَرَ مَا سِوَاهُ لِنَيْلِهِ