ج / 1 ص -257- فرع: فِي مَذَاهِبِ السَّلَفِ فِي التَّنْشِيفِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ وَلَا يُقَال التَّنْشِيفُ مَكْرُوهٌ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إبَاحَةَ التَّنْشِيفِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَبَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَحَكَى كَرَاهَتَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرَاهَتُهُ فِي الْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ، وَنَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ"الإجماع"عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْكَرَاهَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالْفَرْضُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: النِّيَّةُ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ وَمَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَالتَّرْتِيبُ. وَأَضَافَ إلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ الْمُوَالَاةَ فَجَعَلَهُ سَبْعَةً، وَسُنَنُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ: التَّسْمِيَةُ، وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ، وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ، وَإِدْخَالُ الْمَاءِ فِي صِمَاخَيْهِ، وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ، وَالِابْتِدَاءُ بِالْمَيَامِنِ، وَالتَّكْرَارُ. وَزَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ: مَسْحَ الْعُنُقِ بَعْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ، فَجَعَلَهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَزَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى وُضُوئِهِ فَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ الْوُجُوهُ، وَعَلَى غَسْلِ الْيَدِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَلَا تُعْطِنِي بِشِمَالِي، وَعَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ، وَعَلَى مَسْحِ الْأُذُنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَعَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ. فَجَعَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ"
الشرح: أَمَّا وَاجِبَاتُ الْوُضُوءِ فَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَيَجِبُ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ غَسْلُ جُزْءٍ مِمَّا يُجَاوِرُهُ لِيَتَحَقَّقَ غَسْلُ الْوَجْهِ بِكَمَالِهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فصل: غَسْلِ الْوَجْهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ غَسْلُ الْوَجْهِ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ الْغَسْلُ الْمُجْزِئُ وَلَا يُجْزِئُ إلَّا بِذَلِكَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَاءَ الطَّهُورَ فَرْضًا آخَرَ، وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي السُّنَنِ:مِنْهَا التَّسْمِيَةُ وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَجْهًا أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ لَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَقَوْلُهُ: وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ أَرَادَ بِهِ غَسْلَ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ وَفِيهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ، وَقَوْلُهُ:"الِابْتِدَاءُ بِالْمَيَامِنِ"يَعْنِي: فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ دُونَ الْأُذُنَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا سَبَقَ، وَقَوْلُهُ:"وَالتَّكْرَارُ"يَعْنِي فِي الْمَمْسُوحِ وَالْمَغْسُولِ كَمَا سَبَقَ. وَقَوْلُهُ:"وَزَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ مَسْحَ الْعُنُقِ". هَذَا قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاصِّ فِي كِتَابِهِ الْمِفْتَاحُ وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِيهِ أَشَدَّ اخْتِلَافٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ بِأَلْفَاظِهِمْ مُخْتَصَرًا ثُمَّ أُلَخِّصَهُ وَأُبَيِّنَ الصَّوَابَ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: مَسْحُ الْعُنُقِ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا وَرَدَتْ بِهِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْإِقْنَاعِ: لَيْسَ هُوَ سُنَّةً، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: هُوَ سُنَّةٌ وَقِيلَ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: سُنَّةٌ، مَسَحَهُ بِالْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ