ج / 1 ص -256- وَقَوْلُ مَيْمُونَةَ: أَدْنَيْت أَيْ: قَرَّبْتُ، وَقَوْلُهَا: غُسْلًا هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيْ مَا يُغْتَسَلُ بِهِ، وَلَفْظَةُ الْغُسْلِ مُثَلَّثَةٌ فَهِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ اسْمٌ لِمَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ سِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ وَنَحْوِهِمَا، وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرٌ وَهُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ بِمَعْنَى الِاغْتِسَالِ وَبِضَمِّهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَاءِ، فَحَصَلَ فِي الْفِعْلِ لُغَتَانِ: الْفَتْحُ وَالضَّمُّ. وَقَدْ زَعَمَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي أَلْفَاظِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُقَالُ إلَّا بِالْفَتْحِ وَغَلَّطُوا الْفُقَهَاءَ فِي قَوْلِهِمْ بَابُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ بِالضَّمِّ، وَهَذَا الْإِنْكَارُ غَلَطٌ بَلْ هُمَا لُغَتَانِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَالْمِلْحَفَةُ وَالْمِنْدِيلُ بِكَسْرِ مِيمِهِمَا فَالْمِلْحَفَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الِالْتِحَافِ وَهُوَ الِاشْتِمَالُ، وَالْمِنْدِيلُ مِنْ النَّدْلِ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَهُوَ الْوَسَخُ لِأَنَّهُ يُنْدَلُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: لَعَلَّهُ مِنْ النَّدْلِ وَهُوَ النَّقْلُ، وَقَوْلُهُ:"وَرْسِيَّةٍ"هَكَذَا هُوَ فِي"المهذب"بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَكَذَا وُجِدَ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ، وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مِلْحَفَةٌ وَرِيسَةٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ سِينٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَمَعْنَاهُ مَصْبُوغَةٌ بِالْوَرْسِ وَهُوَ ثَمَرٌ أَصْفَرُ لِشَجَرٍ يَكُونُ بِالْيَمَنِ يُصْبَغُ بِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ. وَقَوْلُهُ عَلَى"عُكَنِهِ"هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْكَافِ جَمْعُ عُكْنَةٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ: الْعُكَنُ الْأَطْوَاءُ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ مِنْ السِّمَنِ، وَتَعَكَّنَ الشَّيْءُ إذَا رُكِمَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ.
وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ مُصَنِّفِي أَلْفَاظِ"المهذب"إنْكَارًا عَلَى الْمُصَنِّفِ، قَالَ قَوْلُهُ:"فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ"زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا الْإِنْكَارُ غَلَطٌ مِنْهُ، بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْحَدِيثِ مُصَرَّحٌ بِهَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيِّ.
وَأَمَّا مَيْمُونَةُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ فَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ، وَالْمَيْمُونُ الْمُبَارَكُ مِنْ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ وَهِيَ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما تُوُفِّيَتْ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْتُ أَحْوَالَهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ. وَأَمَّا قَيْسٌ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدُ الْمَلِكِ وَقِيلَ أَبُو الْفَضْلِ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ قَيْسٌ وَآبَاؤُهُ الثَّلَاثَةُ يُضْرَبُ بِهِمْ الْمَثَلُ فِي الْكَرَمِ، وَقَيْسٌ وَسَعْدٌ صَحَابِيَّانِ تُوُفِّيَ قَيْسٌ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتِّينَ رضي الله عنه.
أَمَّا حُكْمُ التَّنْشِيفِ فَفِيهِ طُرُقٌ مُتَبَاعِدَةٌ لِلْأَصْحَابِ يَجْمَعُهَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ، وَبِهَذَا قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُطَّلِعِينَ والثاني: يُكْرَهُ التَّنْشِيفُ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ الثالث: أَنَّهُ مُبَاحٌ يَسْتَوِي فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالرَّابِعُ: يُسْتَحَبُّ التَّنْشِيفُ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ غُبَارٍ نَجِسٍ وَغَيْرِهِ، وَحَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ والخامس: إنْ كَانَ فِي الصَّيْفِ كُرِهَ التَّنْشِيفُ وَإِنْ كَانَ فِي الشِّتَاءِ فَلَا لِعُذْرِ الْبَرْدِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي الْمسألة:قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ التَّنْشِيفُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى التَّنْشِيفِ لِخَوْفِ بَرْدٍ أَوْ الْتِصَاقٍ بِنَجَاسَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فَلَا كَرَاهَةَ قَطْعًا وَلَا يُقَالُ إنَّهُ خِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَحْمِلُ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَنَشَّفُ بِهِ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْمُتَطَهِّرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.