ج / 10 ص -366- مِنْ الْمَاءِ كَمَا قُلْنَا فِي الدَّارِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ زَيْنُ الدِّينِ الْحَلَبِيِّ، شَيْخُ صَاحِبِ الْوَافِي عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ اخْتِلَاطُ مَاءِ الْبَائِعِ بِمَاءِ الْمُشْتَرِي فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، بِأَنَّ الْمَاءَ الظَّاهِرَ لَيْسَ يَمْنَعُ، فَاخْتِلَاطُهُ بِمَاءِ الْمُشْتَرِي لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ.
وَأَجَابَ صَاحِبُ الْوَافِي بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُجْتَمِعَ حَالَةَ الْعَقْدِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ يَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ، فَيَكُونُ مَبِيعًا، فَإِذَا اخْتَلَطَ بِمَاءِ الْبَائِعِ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمَبِيعِ لِاخْتِلَاطِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، فَكَانَ كَالتَّالِفِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ فِي أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ الْمَبِيعَيْنِ، هَلْ يَكُونُ كَالتَّعَذُّرِ فِي الْأُخْرَى، حَتَّى يَبْطُلَ فِي الْجَمِيعِ؟ فِيهِ خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ ا هـ مَا أَجَابَ بِهِ. وَأَنَا أَقُولُ: إنَّ اخْتِلَاطَ الْمَاءَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَاخْتِلَاطِ الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ بِالْمَوْجُودَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ هُوَ الشَّجَرَةُ. وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ بِغَيْرِهَا وَالصَّحِيحُ: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الِانْفِسَاخُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هُنَاكَ أَنَّ اخْتِلَاطَ الثَّمَرَةِ حَيْثُ تَكُونُ الشَّجَرَةُ مَبِيعَةً كَاخْتِلَاطِ الثَّمَرَةِ حَيْثُ تَكُونُ نَفْسُهَا مَبِيعَةً وَالثَّمَرَةُ هُنَاكَ إذَا عُلِمَ تَلَاحُقُهَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَحَيْثُ تَكُونُ الشَّجَرَةُ مَبِيعَةً وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ؛ يُعْلَمُ تَلَاحُقُهَا بِغَيْرِهَا، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ مِنْ أَصْلِهِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْمَاءِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فَصَحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِالِانْفِسَاخِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ ثُمَّ يَنْفَسِخُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِاخْتِلَاطِ، وَلَكِنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ،؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْعَقْدَ لَوْ انْعَقَدَ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَفْسَخُهُ، حَكَمْنَا بِبُطْلَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَهَذَا التَّصْوِيرُ صَحِيحٌ عَلَى رَأْيِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا كَانَ اخْتِلَاطُ الثِّمَارِ مَعْلُومًا بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِيمَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَاطُ نَادِرًا ثُمَّ وَقَعَ وَأَمَّا مَا أَجَابَ بِهِ صَاحِبُ الْوَافِي فَلَا يَتَّجِهُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ إنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُوجِبُ الْبُطْلَانَ فِي الْبَاقِي، وَإِذَا كَانَ الصَّحِيحُ عَدَمَ الْبُطْلَانِ فَكَيْفَ يُخَرَّجُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، هَذَا الَّذِي جَزَمَ فِيهِ بِالِانْفِسَاخِ هَذَا فِيمَا هُوَ جُزْءٌ كَأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، أَمَّا الْمَاءُ الْمَوْجُودُ الْكَائِنُ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ بَلْ هُوَ وَصْفٌ مُتَعَذَّرٌ أَوْ يَبْلُغُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَلَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ جَزْمًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: وَأَمَّا الْعُيُونُ الْمُسْتَنْبَعَةُ، وَالْأَوْدِيَةُ وَالْعَيْنُ فَفِي تَمَلُّكِ مَائِهَا أَيْضًا وَجْهَانِ، وَقَرَارُهَا مَمْلُوكٌ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَائِهَا لِمَا تَقَدَّمَ بِلَا خِلَافٍ لِاخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ، وَيَجُوزُ قَرَارُ الْعَيْنِ أَوْ سَهْمٌ مِنْهَا، وَيَكُونُ لِمُشْتَرِي ذَلِكَ حَقٌّ فِي الْمَاءِ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الْأَصْلِ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ سَهْمًا مِنْ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً أَوْ كَذَا وَكَذَا يَوْمًا مِنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَالْمَاءُ الَّذِي فِي الْعُيُونِ وَالْآبَارِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَلَوْ بَاعَ الْعَيْنَ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَالْحِيلَةُ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَاءَ الْعَيْنِ أَوْ سَهْمًا مِنْهُ