ج / 10 ص -365- والثاني: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا يَنْبُعُ فِي أَرْضِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ كَلَبَنِ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْحَشِيشِ النَّابِتِ وَنُقِلَ هَذَا عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ وَعَنْ كِتَابِ حَرْمَلَةَ. وَإِنَّمَا جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَأْذُونِ لَهُ بِالْعُرْفِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي غُرْمُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَمَحَلُّ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ مَمْلُوكَةً. أَمَّا إذَا قَصَدَ بِحَفْرِهَا الِاسْتِقَاءَ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّمَلُّكَ فَالْمَاءُ الْمُجْتَمِعُ فِيهَا لَا يَكُونُ مِلْكًا بِالِاتِّفَاقِ لِلْأَصْحَابِ.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَمْلِكُ لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعِ الدَّارِ، وَكُلُّ مَنْ اسْتَقَاهُ وَحَازَهُ مَلَكَهُ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مَمْلُوكٌ لَمْ يَدْخُلْ الْمَوْجُودُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ،؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ كَالثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ، وَمَا ظَهَرَ بَعْدَ الْعَقْدِ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْبِئْرِ أَوْ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الْبِئْرُ، عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمَوْجُودَ عِنْدَ الْعَقْدِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ نَشْتَرِطْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، فَيَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ الَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ يُشْبِهُ مَا إذَا بَاعَ شَجَرَةً وَعَلَيْهَا حِمْلُ ثَمَرَةٍ مُؤَبَّرَةٍ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْدُثُ حَمْلٌ آخَرُ وَيَتَلَاحَقُ بِالْأَوَّلِ قَبْلَ إمْكَانِ قَطْعِ الْأَوَّلِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَتْبَعَ الْمَاءَ الْبِئْرَ، وَجَعَلَهُ كَالثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ غَرِيبٌ جِدًّا، وَمَعَ غَرَابَتِهِ صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِاسْتِقْصَاءِ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَصَحُّ وَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ، وَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ مِنْهُ كَمَا يَدْخُلُ الْحِمْلُ تَبَعًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُرْشِدِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَشْهُورِ فَالْفَرْقُ يَقْتَضِيهِ، فَلْيُلَخَّصْ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا أُطْلِقَ فِي الْبِئْرِ وَالدَّارِ الَّتِي فِيهَا لَا يَسْتَتْبِعُ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَاطِلُ لَا يَسْتَتْبِعُ، وَصَحِيحٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ، لَكِنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، فَإِذَا شَرَطَ دُخُولَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ بِالتَّبَعِيَّةِ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَقَطَعُوا بِهِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَسْتُ أَرَى قِيَاسًا وَلَا تَوْقِيفًا يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ وَلَكِنَّ الْعَادَةَ عَامَّةٌ فِي الْمُسَامَحَةِ بِهِ فَإِنْ تَنَافلَتْ1 نَاظَرَ عَنْ هَذَا فَكَذَلِكَ. وَالْإِمَامُ لَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي الْحُكْمِ كَمَا تَرَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْوَجْهُ الَّذِي نَقَلَهُ هُوَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ بَيْعِ الْكِلَابِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَاءِ الْبِئْرِ وَحْدَهُ بِاتِّفَاقٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْمَاءُ الْجَارِي أَوْلَى بِالْفَسَادِ فَإِنْ قُلْتُ:كَيْفَ صَحَّ اشْتِرَاطُهُ؟ وَهُوَ لَوْ بَاعَ مَاءَ الْبِئْرِ وَحْدَهُ لَمْ يَصِحَّ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الثِّمَارِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ جُمْلَةَ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ، وَاَلَّذِي سَيَحْدُثُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ مَعْدُومٌ، وَكَذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ هُنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَاءِ الْبِئْرِقلت: صَحِيحٌ أَنَّ بَيْعَ مَاءِ الْبِئْرِ وَحْدَهُ لَا يَجُوزُ جَزْمًا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِيمَا إذَا بَاعَهُ مَعَ الْبِئْرِ أَوْ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَحْصُلُ اخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ، فَقَدْ أَمِنَّا مِنْ الْفَسَادِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ الْبِئْرِ وَمَا فِيهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل فحرر (ش) قلت: ولعل السقط (فإن تناقلت الأصحاب عمن ناظر الخ) .