ج / 10 ص -352- فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُهُ وَمَتَى لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَقَدْ يُعْتَضَدُ الدُّخُولُ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ بِالْوَاضِحَةِ منها: الثِّمَارُ إذَا لَمْ تُؤَبَّرْ دَاخِلَةٌ فِي بَيْعِ الشَّجَرِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْمَفْهُومُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ الشَّجَرَةِ لِلثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَلَيْسَتْ بَاقِيَةً عَلَى الشَّجَرَةِ دَائِمًا فَاسْتِتْبَاعُ الْأَرْضِ لِلشَّجَرِ وَهُوَ بَاقٍ فِيهَا دَائِمًا أَوْلَى، وَفِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ:"أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ لَمْ يُذْكَرْ التَّمْرُ فَالتَّمْرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَاوَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ"فَالْحَرْثُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ1.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَرْضَ تُطْلَقُ كَثِيرًا وَيُرَادُ بِهَا الْأَرْضُ مَعَ مَا فِيهَا، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ رضي الله عنه لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ"الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْأَرْضَ وَحْدَهَا، بَلْ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"حَبِّسْ الْأَصْلَ وَسَبِّلْ الثَّمَرَةِ"فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ كَثِيرًا فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَدِّ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ سُكُوتِ الْبَائِعِ عَنْ اسْتِثْنَائِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ إخْرَاجَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ مَعَ كُرْهِ اسْتِعْمَالِ الْأَرْضِ مَعَ دُخُولِهِمَا لَنَصَّ عَلَى الْإِخْرَاجِ، فَلَمَّا لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الشُّمُولُ مَعَ كَوْنِ الْبَائِعِ مُعْرِضًا عَنْ الْبَيْعِ. وَقَاطِعًا أَطْمَاعَهُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الرَّاهِنِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ أما الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ شَبِيهَةٌ بِالْجُزْءِ الْحَقِيقِيِّ، فَهِيَ كَالْحَمْلِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ، وَالْأَصْحَابُ وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ يُحَاوِلُونَ تَشْبِيهَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ لِكَوْنِهِمَا مُرَادَيْنِ لِلْبَقَاءِ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا الْوَصْفِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ فِي أُمُورٍ أُخْرَى نَظَرٌ. وأما الثَّانِي فَإِنَّ الْكَثْرَةَ مَمْنُوعَةٌوأما: الْإِطْلَاقُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَلَا يَمْتَنِعُ، وَمَعَ مَيْلِي فِي الْبَحْثِ كَمَا رَأَيْتَ إلَى مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ لَا أُقْدِمُ عَلَى الْجَزْمِ بِهِ مَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ذَهَبَ إلَيْهِ، وَلَا أَسْتَحْضِرُ الْآنَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلًا بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَيْلٌ إلَى مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ دُخُولُهَا وَأَبْهَمَ، وَأَنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، فَهَذَا آخِرُ كَلَامِنَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ رَابِعَةٌ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ، وَفِي دُخُولِهِمَا فِي الرَّهْنِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْجُورِيُّ مَعَ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَيَشْهَدُ لَهَا أَنَّ الْحَمْلَ وَالثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ تَنْدَرِجُ فِي الْبَيْعِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي انْدِرَاجِ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ قَوْلَانِ: الْمَنْصُوصُ مِنْهُمَا: فِي"الْأُمِّ"كَمَا قَالَ: الْبَنْدَنِيجِيُّ: فِي التَّمْرَةِ عَدَمُ التَّبَعِيَّةِ، وَفِي الْقَدِيمِ عَلَى التَّبَعِيَّةِ، ثُمَّ أَغْرَبَ الْجُورِيُّ2 فَجَعَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ جَمِيعًا، مُعَلِّلًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل (ش) قلت: ولعل السقط أو لتمام المعنى أن يقال والله أعلم: إن كان المراد به قلع المغرس فهو للبائع وإن كان لبذر غرس جديد فإنه يتبع الأرض...فعلى الحالتين سيأتي للشارح بيانهما قريبا (ط) .
2 كان في ش و ق بالزاي المعجمة وقد حررناه بالمهملة ومضت ترجمته في هامش من شرح الإمام النووي (ط)