ج / 10 ص -351- وَقَوْلُهُ: إنَّ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ إذَا كَانَا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِاتِّفَاقٍ بِنَاءً عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مَسْأَلَةً، وَقَدْ عَرَفْتُ الْمَنْعَ الْمُتَّجِهَ عَلَيْهَا، وَيَنْبَغِي إذَا تَمَّ مَا قُلْنَاهُ فِي الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ مَرْئِيًّا قَبْلَ ذَلِكَ الرُّؤْيَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْبَيْعِ.
فَإِنْ قُلْتَ: إنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِوُجُوبِ بَقَاءِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ قلت: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ صِحَّةُ تَسْلِيمِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ، مَعَ بَقَاءِ الزَّرْعِ فِيهَا، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ الْقَائِلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْلِيمِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ لِشَبَهِهَا بِالدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَفْرِيغَ الدَّارِ مُمْكِنٌ فِي الْحَالِ، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ لَا يَأْتِي فِي الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَهُ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ، فَأَشْبَهَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ الْأَمْتِعَةَ الَّتِي يُمْكِنُ نَقْلُهَا، بِخِلَافِ الشَّجَرِ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ إذَا كَانَ الْغِرَاسُ بَاقِيًا لِلْبَائِعِ قَوْلًا وَاحِدًا وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَاسْتَثْنَى الْأَشْجَارَ بَقِيَتْ الْأَشْجَارُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُكَلَّفُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلدَّوَامِ وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا فِي الْفَتَاوَى بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ عَنْ الشَّجَرِ، وَعِنْدَمَا تَكَلَّمَ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى شَجَرٍ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّفْرِيغُ فَالتَّسْلِيمُ مُمْكِنٌ عَلَى حَالِهَا، فَصَحَّ الْبَيْعُ إذَا وُجِدَتْ الْمَنْفَعَةُ وَالرُّؤْيَةُ، وَقَدْ عَرَفْتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَصَاحِبِ التَّتِمَّةِ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ مُسَاعِدٌ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ قَلْعُ الشَّجَرِ لَوْ أَبْقَيْنَاهُ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ النُّسَخَ مِنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ بِذَلِكَ مُخْتَلِفَةً، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ بِإِسْقَاطِ لَا فَكَأَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ نَاسِخٍ، وَقَدْ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِإِثْبَاتِ لَا وَكَلَامُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْفَتَاوَى قَالَ إذَا بَاعَ الدَّارَ دُونَ النَّخْلَةِ الَّتِي فِيهَا، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاجْتِيَازِ إلَيْهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ الشَّجَرِ.
وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْمُطَارَحَاتِ: إنَّهُ إذَا بَاعَ دَارًا فِيهَا نَخْلَةٌ دُونَ النَّخْلَةِ، وَشَرَطَ دُخُولَ مَنْبَتِهَا فِي الْبَيْعِ، صَحَّ وَيَسْتَحِقُّ تَبْقِيَةَ الشَّجَرَةِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ، فَإِنْ اخْتَارَ صَاحِبُ الدَّارِ تَمَلُّكَ الشَّجَرَةِ بِقِيمَتِهَا أَوْ قَلْعِهَا بِالْتِزَامِ النُّقْصَانِ، كَانَ لَهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا تَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ لِتَبْقِيَتِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى بِأُجْرَةٍ لَكَانَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْأُجْرَةِ يُلْزَمُ بِالْقَلْعِ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ بِالْقَلْعِ، اسْتَلْزَمَ عَدَمَ الْأُجْرَةِ، نَعَمْ فِي عَكْسِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ الشَّجَرَةَ الرَّطْبَةَ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ، قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَغْرِسُ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ قَلْعُ الشَّجَرَةِ مَجَّانًا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إبْقَاؤُهَا مَا أَرَادَ الْمُشْتَرِيَ؟ أَمْ لَهُ قَلْعُهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيَغْرَمُ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ كَالْعَارِيَّةِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِجَرَيَانِ الْوَجْهِ الْآخَرِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ وَيُقَالَ: أَنَّا فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ قَصَرْنَا الْحُكْمَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَبِيعِ، فَفِي بَيْعِ الشَّجَرَةِ لَا يُسْتَتْبَعُ حَقُّ الْإِبْقَاءِ، فَكَانَ لَهُ الْقَلْعُ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي الْأَرْضِ كَانَ حَقُّ الْإِبْقَاءِ ثَابِتًا، فَلَا يُزَالُ بِالْبَيْعِ، فَهَذَا فَرْقٌ جُمِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْتَ: إذَا أُلْغِيَتْ هَذِهِ الْفُرُوقُ كُلُّهَا فَمَا وَجْهُ الْمَذْهَبِ؟ قلت: الرَّاجِحُ عِنْدِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ إجْمَاعٌ عَلَى الدُّخُولِ