ج / 10 ص -350- بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا بِاتِّفَاقٍ، فَوَجَبَ إذَا ضُمَّ إلَى مَبِيعٍ خَلَا عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْطُلَ فِي الْجَمِيعِ لِلْجَهَالَةِ بِالثَّمَنِ.
فَلَمَّا أَفْضَى مَحْذُورُ الْإِخْرَاجِ إلَى هَذَا، حُكِمَ بِالِانْدِرَاجِ، حِرْصًا عَلَى تَصْحِيحِ الْعَقْدِ، كَمَا أُدْرِجَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ اسْمُ الشَّاةِ وَالْجَارِيَةِ طَلَبًا لِلتَّصْحِيحِ وَحَذَرًا مِنْ الْإِبْطَالِ، بَلْ لِلْحَمْلِ غَايَةٌ تُنْتَظَرُ، وَمَعَ ذَلِكَ أُدْرِجَ وَلَا غَايَةَ هَاهُنَا تُنْتَظَرُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِهِ، حَتَّى يَكُونَ اسْتِيفَاءَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ مُخْرِجًا لِلْعَقْدِ عَنْ وَضْعِهِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ هَذَا الْمَحْذُورَ مَانِعًا مِنْ دُخُولِ الْمَغْرِسِ وَالْأُسِّ، وَيُحْمَلُ الْبَيْعُ عَلَى مَا سِوَاهُمَا طَلَبًا لِلتَّصْحِيحِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْمَجْمُوعَ، وَهَذَا يَضْعُفُ عَنْهُ، فَلَمْ يُمْكِنْ إبْطَالُهُ بِهِ. وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَمْرَانِ.
أحدهما: ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْمَغْرِسِ وَالْأُسِّ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْأَرْضَ خَلَا الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ؛ أَنَّ الْمَغْرِسَ وَالْأُسَّ هَلْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي بَيْعِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَرَتَّبَهُمَا عَلَى بَيْعِ الْغِرَاسِ إنْ قُلْنَا: يَسْتَتْبِعُ الْمَغْرِسَ فَهَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَالْفَرْقُ أَنَّ اللَّفْظَ هَاهُنَا تَوَجَّهَ نَحْوَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ فَقَوِيَ عَلَى التَّبَعِيَّةِ بِخِلَافِهِ فِيمَا يُتْلَفُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَبْقَى، فَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَالَهُ أَنَّ لِلْمَانِعِ أَنْ يَمْنَعَ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لُزُومَ الْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ.
الثاني: أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُهُ مِنْ السَّوْقِ إلَى تَصْحِيحِ الْعُقُودِ إدْرَاجُ شَيْءٍ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْعَقْدُ لَا لَفْظًا وَلَا عُرْفًا، وَالْحَمْلُ إنَّمَا دَخَلَ لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ لَهُ وَأَمَّا هُنَا فَإِنْ أَدْخَلْنَا الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ أَدْخَلْنَا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْعَاقِدِ لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَإِنْ أَخْرَجْنَاهُ وَأَدْخَلْنَا الْمَغْرِسَ لَزِمَ الْمَحْذُورُ الَّذِي أَبْدَاهُ عَلَى رَأْيِهِ، وَإِنْ أَخْرَجْنَا الْمَغْرِسَ خَالَفْنَا لَفْظَ الْعَقْدِ وَشُمُولَهُ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا إفْسَادُ الْعَقْدِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ إفْسَادَ الْعَقْدِ أَيْضًا مَحْذُورٌ وَلَمْ يَصِرْ إلَيْهِ صَائِرٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي أَخَفِّ الْمَحْذُورَاتِ الثَّلَاثَةِ يُلْتَزَمُ، وَالْحُكْمُ بِإِدْخَالِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ حُكْمٌ بِإِثْبَاتِ أَمْ زَائِدٍ عَلَى مَدْلُولِ لَفْظِ الْعَاقِدِ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ، فَلَيْسَ فِي مُخَالَفَةِ اللَّفْظِ نَفْيُ مَا يَقْتَضِيهِ، أَوْ إثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ، أَمَّا إثْبَاتُ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ اللَّفْظُ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ فَلَا يُقَالُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ وَلَا مُوَافَقَةٌ.
أَمَّا الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الْمَغْرِسِ، وَالْأُسِّ فَهُوَ إخْرَاجٌ لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ فَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ، فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ الْحُكْمُ بِتَبَعِيَّةِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، هَذَا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إدْخَالُ الْأُسِّ وَالْمَغْرِسِ مَعَ إخْرَاجِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ بِمَا أَبْدَاهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، بِحَفْرِ سَرَبٍ مِنْ تَحْتِ الْبِنَاءِ، وَأَخْذِ تُرَابِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَوَضْعِ بَدَلِهِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَمْ تُعْدَمْ الْمَنْفَعَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَلَا تَرَى: أَنَّ الْقَاضِيَ حُسَيْنًا قَالَ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّهُ إذَا بَاعَ عَشْرَ أَذْرُعٍ مِنْ أَرْضٍ عُمْقًا فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ صَحَّ؟ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِأَرْضِهِ مَا جَاوَزَ عَشْرَ أَذْرُعٍ عُمْقًا، بِأَنْ يَحْفِرَ تَحْتَ عَشْرِ أَذْرُعٍ بِئْرًا، أَوْ مَبْنِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.