ج / 10 ص -348- مِنْ أَئِمَّتِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ مُحْتَجًّا بِمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ قَبْلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشْكَالِ أَنَّ اسْمَ الْحُقُوقِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الطَّرِيقِ وَمَجَارِي الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّ هَذَا أَقْيَسُ وَهُوَ كَمَا رَأَى، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عُرْفٌ عَامٌّ بِاسْتِتْبَاعِ الْأَرْضِ لِلشَّجَرِ أَوْ بِدُخُولِهَا تَحْتَ اسْمِ الْحُقُوقِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ - فِي كِتَابِهِ الْمُحَلَّى - عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَهِيَ لَهُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ قَائِمٍ أَوْ شَجَرٍ ثَابِتٍ، وَهَذِهِ دَعْوَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَهِيَ بِإِطْلَاقِهَا تَشْمَلُ مَا إذَا قَالَ. بِحُقُوقِهَا ولما1 إذَا لَمْ يَقُلْ، بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الثَّانِي، وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ اسْتِتْبَاعُ الْأَرْضِ لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَالْحَنَابِلَةُ صَنَعُوا كَصُنْعِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَعَلَّهُمْ تَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ كَمَا ادَّعَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ لِلنَّظَرِ فِيهَا مَجَالًا وَإِلَّا فَيَلْغُوا مَا أَثْبَتَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ التَّخْرِيجِ وَلَا تَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ بِذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ كَمَا نَقُولُهُ فِيمَا بَعْدُ وَقَالَهُ الْإِمَامُ هُنَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ عَلَى طُرُقٍ إحْدَاهَا: أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأَرْضِ لَا يَشْمَلُ ذَلِكَ لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَبَعِيَّتِهَا لَهَا مِنْ عُرْفٍ وَلَا غَيْرِهِ فَلَا وَجْهَ لِلدُّخُولِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، لَكِنَّهَا خِلَافُ ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ: وَكُلُّ أَرْضٍ بِيعَتْ فَلِلْمُشْتَرِي جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَأَصْلٍ. فَاحْتَاجَ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا إذَا قَالَ بِحُقُوقِهَا.
وَقَوْلَهُ:"فِي الرَّهْنِ"عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ لَكِنْ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْإِشْكَالِ مَا أَوْرَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ، أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ وَلَوْ قَالَ بِحُقُوقِهَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْحُقُوقِ لَا يَشْمَلُهُ، وَإِنَّمَا يَشْمَلُ الْمَرَّ، وَمَسِيلَ الْمَاءِ، وَمَطْرَحَ الْقُمَامَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَهُوَ إشْكَالٌ قَوِيٌّ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُخَالِفَةً لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ؛ وَلِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ مَذْهَبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ إنْ ثَبَتَتْ2 عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ الْأَصَحَّ وَشَذَّا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ وَلَعَمْرِي أَنْ يَثْبُتَ إجْمَاعٌ أَوْ نَصٌّ فَالْحَقُّ مَا قَالَاهُ.
وَقَدْ جَهِدْتُ فِي تَطَلُّبِ نَفْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ أَجِدْ إلَّا نَصَّهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّ"مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُثْمِرَةً فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"وَالْأَصْحَابُ يُفَرِّقُونَ بِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ، وَقَدْ يَحْتَجُّونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ اقْتَضَى بِمَفْهُومِهِ دُخُولَ الثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَشْمَلُهَا اسْمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في ش و ق راجع كتاب القسمة جـ19 من المجموع (ط) .
2 يعني الطريقة (ط) .